quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Login
Login
Please wait, authorizing ...

0
0
0
s2sdefault

ذهبت في العصر الحديث التيارات الفكرية المعاصرة والمدافعة عن القيم والمذاهب السياسية والاقتصادية الغربية من ديمقراطية وعلمانية وليبرالية وغيرها.. بالقول إن الدين بالعموم مؤخر ومعرقل لتقدم أي مجتمع. كما أن النظرة الغربية منذ سنين لم تهدأ وفق نمط "شعوبي" معاصر وأناني من استبهات شعوب المنطقة العربية التي يحكم مجتمعاتها الدين الإسلامي، والترويج بأنها مجتمعات قاصرة وغير قادرة على الفهم أو ادراك مفاهيم الفكر الحداثوي الجديد وعلى إدارة نفسها ذاتياً، ولا يمكن حكمها بأنظمة ديمقراطية مدنية حديثة  كما في الغرب بسبب التناقض الايديولوجي الواضح بين المكون الثقافي الشرقي "الإسلامي" والمكون المادي الغربي "العلماني"، أو كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي ماكس فيبر أن الإسلام غير قادر على صنع تقدم ونهضه في العصر الحديث "لابتعاده عن قيم البروتستانتية"..

وحتى فترة ليست ببعيدة -بل ولليوم- أصبح ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ بنجاح القيم الغربية الليبرالية في معالجة أمراض ومشاكل المجتمعات ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺏ الحتمية، ما دفع كثير من مفكري الغرب من كانط إلى هيغل وصولاً إلى فوكوياما القول بثقة مفرطة وبنَفَس طويل أن الظروف الحالية التي يمر بها المجتمع الدولي لا يوجد بها خيار آخر سوى التحرك كرهاً وطوعاً على طريق الديمقراطية الليبرالية، ذاك الطريق الذي حددته الحضارة الغربية لعملية التطور الاجتماعي، أو كما صاغه فوكوياما بنظريته "نهاية التاريخ" بالقول أن النظام الديمقراطي الليبرالي هو "المرحلة النهائية لتطور الأيديولوجية البشرية" بعد أن لحقت الهزيمة بالأيديولوجيات المنافسة مثل الملكية الوراثية والفاشستية والشيوعية..

ليأتي بعدها المفكر الأمريكي 'هنتنغتون' بصياغة جديدة تلزم الغرب بضرورة الصدام الحتمي مع "الإسلاموية" والذي عده في كتابه ذائع الصيت "صدام الحضارات" صداماً رئيسياً وأبدياً تفرضه الحضارة الإسلامية باحتياطاتها البترولية وقربها الجغرافي من الغرب فضلاً عن عدم امكانية التلاقي بين القيم الثقافية الإسلامية الروحية والقيم الثقافية الغربية المادية.

فهذا الصراع الدعائي والفكري والذي استتبع تالياً ضمن خطط مدروسة صراع عسكري غربي منظم على القيم الدينية والروحية في العالم (بشكل عام)  وفي مقدمتها القيم الإسلامية (على وجه الخصوص)  يعد إعلاناً صريحاً بانهيار المسيحية كدين قائد يجمع الناس ويوحد أوروبا روحياً لأنه لم يستطع أن يتكيف بسهولة مع حالات التبدل والتغير في العصر الحديث،  اذ ماتت في النفوس  القاعدة الروحية لهذا الدين لأن المسيحية بحكم كيفية نشأتها لم تستطع الصمود في وجه الثورات الاجتماعية والصناعية التي عصفت بأوروبا في أواسط القرن التاسع عشر- والتي هي بدايات موت المسيحية - لتحل الليبرالية "كدين جديد" بديلاً عنها.  

كما أن هذا الصراع لم يمنع في العصر الحديث من رؤية بعض النماذج الدينية الرائعة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي والسير في بواكير النهضة، خصوصاً بعد فشل واضح لبرامج التسوية الاقتصادية التي طرحها صندوق النقد الدولي أحد صروح الليبرالية الاقتصادية الغربية والتي بدل أن تحارب الفقر وتدعم النمو الاقتصادي شوّهت الاقتصادات الوطنية وأتعبتها.

 ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﺒﺮﺍﻣﺞ كما تدلل الاحصائيات ﻣﻄﺒﻘﺔ ﻓﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ 100 ﺑﻠﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ، ﻭﺃﻭﺭﻭﺑﺎ ﺍﻟﺸﺮﻗﻴﺔ ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ -كما يقول رشيد ناجي يوسف -’ﺫﻛﺮ ﺃﻱ ﺣﺎﻟﺔ ﻟﻠﻨﺠﺎﺡ ﺍﻟﺒﺎﺭﺯ فيها'.

وفي المقابل ظهرت عدة تجارب لمعالجة الأزمات المالية والاقتصادية والإشكالات المجتمعية استندت على أسس دينية ناجحة، أﻇﻬﺮﺕ هذه التجارب الكثير ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻹﻳﺠﺎﺑﻴﺔ التي أبهرت العالم كما في كوريا الجنوبية التي تدين بالبوذية والهند التي تدين بالهندوسية وتايوان والصين وهونغ كونغ المتمسكة بالقيم الكونفوشية واليابان القائمة على قيم التوكوجاوا.. الأمر الذي يدل بجلاء أن الدين أياً يكن يلعب دور إيجابي ومهم على طريق التقدم.

 أما عندما بدأت الأمه الإسلامية -وهذا هو صلب حديثنا -ممثله في ماليزية واندونيسيا وتركيا تخطو خطوات عظيمة على طريق التقدم الاقتصادي والحداثة بدأ علماء الاجتماع في الغرب يبحثون في دأب سر نجاح الأمه الإسلامية، الى أن جاء عالم الاجتماع الغربي (ارنست جليز) ليعلن: "إن السر يكمن في الاسلام الرفيع". وأن “ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻳﻜﺸﻒ ﻟﻨﺎ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﺃﻧﻪ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺇﻗﺎﻣﺔ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩ ﻋﺼﺮﻱ. وﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﺣﺘﻀﺎﻥ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ..."

فبالعموم إن الانتقادات التي توجه ضد الإسلام تتمثل بمهاجمته كنظام سياسي والادعاء بتعصبه لفكر ساد المنطقة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام وأنه لا يلائم التطورات السياسية التي شهدها العالم اليوم. لكن يغفل هؤلاء قضية مهمة جداً هي أن لا أحد يسمح بمنح الإسلام السياسي فرصة قيادة المجتمع وطرح برامجه اليوم ويكتفوا بأحكام مسبقة بالقول بفشله في الإدارة مستندين في ذلك على حصر الإسلام ببعض التوجهات الإسلامية العنفية في العالم والتي هي في غالبيتها صنيعة مخابرات عالمية هدفها تشويه وشيطنة الفكر الإسلامي، وفي هذا تناقض صريح مع القيم التي يدعيها الفكر الديمقراطي الغربي.

فالحكومة في الإسلام هي حكومة ذات مرجعية مدنية بامتياز والحاكم فيها بشر يستمد سلطته من الأمة التي تختاره بإرادتها الحرة وتحاسبه وتعيده إلى الصواب إن أخطأ وعزله إن لزم الأمر [1] وخطاب البيعة لأبو بكر الصديق مثال على ذلك. بالتالي إن الحكومة الإسلامية هي ﻛﺄﻱ حكومة في العصر الحديث ﺗﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺳﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﺓ دون الخروج عن النص الشرعي.

فصحيح أن فلسفة الشورى الإسلامية كصفة لشكل الحكم الذي يريده ويحبذه الإسلام لا تتطابق كليا مع الديمقراطية التي يتبناها ويغزو باسمها الغرب دول الشرق الفقير، لكن اعتبار الشورى محاولة إجماع الآراء حول القضايا المهمة ومعرفة الصحيح منها من مجموع تلك الآراء لا ينعكس ذلك ولا يؤثر سلباً على سيادة الشعب ولا يعد ذلك انتقاص من كرامة الإنسان أو هو تعارض مع ما ﻳﺨﺘﺎﺭ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﻳﺤﻜﻤﻬﻢ ويدير ﺃﻣﺮﻫﻢ.

وضمن هذا السياق المقتضب قد نجد تعارض بسيط في كيفية طرح كل نظام لممارسة الشعب لدوره في السيادة، لكنها معارضة لا تصل الى مرحلة القطيعة بين كلا النظامين، اذ لا نبالغ في القول إن الديمقراطية بكافة معاييرها متضمنة في نظام الشورى الإسلامي باستثناء تلك التي تقول بأن الديمقراطية هي عقيدة الشعب بينما يراها المشروع الإسلامي إحدى الآليات التي يتم استخدامها بما لا يتعارض مع الشرع الإسلامي.

هل نحن ملزمون بطرق محددة للتقدم أو تبني شكل معين من الحكم..؟

أن أتكلم عن الحداثة وأرغب أن أجعل بلدي يسير بهذا الاتجاه لا يعني أني مجبر أن ألتزم بالنمط المادي الأوروبي للحداثة، فليس هناك ما يلزم الشعوب بنصوص دولية على اعتماد شكل محدد أو صيغة محددة للحكم مادام الناس يرتضون ذاك الحكم، كما ليس في المنهج الإسلامي ضير في قدرة الإسلام على الجمع والموائمة بين الدين والدولة، أو أن هناك ما يمنع من استبدال الديمقراطية الغربية بنظام الشورى الإسلامي.

 ففي السابق كنت أعتقد -ومثلي كثر -أمام فورة الحضارة الزائفة وبدون وعي أن تسييس الدين وتديين السياسة يسلب الدين جوهره، أما اليوم وسط هذه الفوضى الكبيرة يمكن لنا وبدون أقل الشكوك الجزم بأنه يمكن ﻟﻠﻌﻘﻞ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺃﻥ ﻳﺘﺠﻨّﺐ ﺃﺧﻄﺎﺀ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻭﺃﺧﻄﺎﺭﻫﺎ. فالحداثة لا تتعارض مع تطبيق الدين كما أن الديمقراطية ليست نهاية التاريخ، فاليوم هناك تبدل وتحول شعبي واضح بطريقة التفكير في المذاهب الغربية المتبعة. فالديمقراطية ليست في قمة تألقها كما يدعي المتاجرين بها، والتجربة وكل شيء من حولنا يثبت أن النخبة العاقلة أقدر على القيادة من الأكثرية الجاهلة. وقد وعى الغرب جيداً تلك القضية وخصوصاً الدول المتقدمة منها وهي دول تحكمها نخبة مثقفة تنظم أمور الأكثرية، اذ من غير الممكن أن تؤخذ الديمقراطية على هواها العام متضمنه حكم الشعب بالمعنى العام وبمفهومه العريض.

"فالسلطة التشريعية في الإسلام هي للكبار فقط، لأنه ليس كل واحد من المسلمين أهلاً للفهم والاجتهاد. فإن فيهم العامة الذين يحتاجون إلى من يرشدهم (وفيهم من هو منشغل) بالمعيشة".[2] وفي هذا تحول واضح من الديمقراطية إلى الأخذ مبادئ الشورى.

واليوم أيضاً هناك بوادر معارضة واضحة تطفو على السطح تجاه الفكر العلماني الفكر المناهض تماماً للإسلام والذي أخذ يُغرق العالم شيئاً فشيئاً. إذ لم يلتزم بمبادئه في المساواة والعدالة سواء في بلاد الغرب المدافع القوي عنه أو في بلدان الشرق الأوسط ذات الأنظمة العلمانية الاستبدادية الهزيلة، حيث "نجحت الحركات الإسلامية (في بلدان الشرق الأوسط) في الهيمنة على المعارضة وبناء أنفسهم كبديل حيوي وحيد للنظم العاجزة ساهمت فيه أيضاً سياسات تلك النظم"[3].

كذلك لم يتمكن الفكر العلماني من أن يكوّن دين جديد ينظم الحياة الروحية والعملية للمواطنين كما ادعى قادته بعد سياسة الإفناء لجوهر الدين المسيحي، إذ تدل الدراسات على ازدياد التوجه العام لدى الأكثرية بضرورة وجود دين يرتب حياتها ويرسي السلام والطمأنينة في عالم ارهقته الحروب وعدم الاستقرار، متجهين بذلك إلى مفهوم "ما بعد العلمانية" الذي تحدث عنه مطولاً المفكر "جون كين" المتمثل بأن الأكثرية تتجه نحو هجر العلمانية والعودة إلى الدين.

وهنا يمكن القول -بالنسبة لنا كعرب على الأقل-ان الاسلام هو آخر الحلول التي بتنا نساق لها طوعاً لأننا ذقنا كرهاً بسياسات غريبة عن واقعنا وثقافتنا، إذ تبرهن أخطاء الحداثة في القرن الجديد أن الاسلام ذي عقيدة متماسكة تستطيع أن تحتمل حالات التبدل الاجتماعي والصناعي والتغيرات في العالم.

فالعالم يتغيّر اليوم. وما يجري اليوم من حراك مجتمعي هو الأعنف في تاريخ العرب منذ ظهور الإسلام مرده عدم الأخذ بمبادئ الدين الإسلامي. فمن يسيطر على ما يسمى " الربيع العربي" هو الإسلام وليس الديمقراطية ولا يمكن أن ندعي غير ذلك. فقد سئمنا من حضارة مأزومة من سياسات البشر، فقد آن للعقل الجمعي الإسلامي ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺗﺮﺗﻴﺐ ﻣﺴﺎﺋﻠﻪ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ، آن لنا أن يحكمنا الله، في عودة محتومة إلى الدين.

______________________________________________________________________________________

  1. أ.د عبد الشافي محمد عبداللطيف – العلمانية في الفكر الاسلامي – دار السلام - القاهرة– الطبعة الأولى – 2006م- ص 137.
  2. بوجينا غيانة ستشيجفسكا (مستشرقة بولونية)  - تا يخ التشريع الاسلامي - منشورات دار الافاق الجديدة - بيروت - الطبعة الاولى 1980 - ص 36
  3. صموئيل هنتنغتون – صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي – نقله الى العربية : د. مالك عبيد أبو شهيوة و الدكتور محمود محمد خلف – الدار الجماهيرية – مصراتة – الطبعة الأولى – 1999 – ص 223.

Canon m50

alquds

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.