quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Create Account
Login
Login
Please wait, authorizing ...

0
0
0
s2sdefault

عندما كنت صغيرة كانت أختي كايت تشغّل المسجل بصوت عال للغاية بالقرب من أذني الصماء لتخدع صديقاتها. كنت أحب هذا الاهتمام وكان الأمر أكثر مرحاً من اختبارات السمع التي كان عليّ تحملها في المستشفى. اكتشفت أمي أنني نصف صماء عندما كنت في الثانية من عمري إذ مررت لي الهاتف لأتحدث مع جدتي. وعلى ما يبدو، فقد وقفت بلا حراك وأعدت الهاتف عندما  لم أسمع شيئاً.

لم نعرف سبب ذلك على الإطلاق، لكن تشك أمي في أنَّ ذلك نتيجة لإصابتها بالحصبة الألمانية أثناء الحمل. وأياً كان الأمر، فإنَّ وجود هذا الصمم منذ ولادتي كان يعني أنني قد تأقلمت بشكل طبيعي مع هذه الإعاقة غير المرئية، وأعتقد أنها جعلتني كوميدية أيضاً.

عندما كبرت غيرت حياتي بطرق صغيرة دون حتى أن أدرك ذلك. إذ تعين عليَّ (وما زال يتعين عليّ) أن أنظر بحذر في كلا الاتجاهين عند عبور الطريق لأنه لم يكن باستطاعتي التعرف على مصدر ضوضاء السيارات. وكانت السماعات مهدرة بالنسبة لي لأنني كنت بحاجة إلى سماعة واحدة فحسب، وكان الصوت المجسم (الستريو) لا طائل منه. ولما بلغت الثامنة من عمري التقيت بلورا أعز صديقاتي التي لم يكن لها نفس عيد ميلادي فحسب، وإنما كانت هي الأخرى صماء تماماً في أذنها اليسرى، فكنا نمشي إلى المدرسة معاً بالتناوب لكي نتكلم، ليتسنى لنا أن يسمع بعضنا بعضاً، وكنا نتشارك زوجاً من السماعات في الجزء الخلفي من السيارة عندما كان آباؤنا يأخذوننا في عطلة.

ومع تقدمي في السن، كان لا بد من خوض المواقف الاجتماعية بعناية. كنت أشعر بالقلق من ترتيبات الجلوس، فلو انتهى بي المطاف مع شخص غريب جالس على يساري فسوف ألتفت باستمرار لسماعه. ومع المجموعات غالباً ما كان يفوتني نصف المحادثة، وبدأت في تفضيل اللقاء مع صديق واحد أو اثنين فحسب. وكانت الحانات الصاخبة أسوأ شيء إذ كان من المجهد محاولة مواكبة المحادثات، لذا فقد كنت أذهب إلى المنزل أو أتجنب هذه الحانات. وكنت أكره الأندية الليلية وأي شيء من شأنه أن يتسبب في رنين في أذني السليمة، وتجنبت دروس القيادة لأنَّ تلقي التعليمات عبر أذني الصماء بينما كنت أحاول التحكم في السيارة بدا أمراً شديد الصعوبة.

لكنَّ النعمة التي أهدانيها الصمم كانت مراقبة الناس عن كثب وهم يتكلمون، وقراءة الشفاه وملاحظة السلوكيات والإيماءات.

إذ بدأت في تقليد المدرسين والأشخاص الذين يظهرون على شاشة التلفاز، وهو ما جعل الناس يضحكون. لقد نشأت وأنا أشاهد Victoria Wood وFrench  وSaunders، ووقعت في حب شخصياتهم الرائعة. كنت طفلة خجولة، لكن عندما كنت أقلد الشخصيات كنت أشعر أنَّ لدي درع وهذا الأمر غيرني.

تركت الجامعة ولم تكن لدي الشجاعة أو الأموال لأداء اختبارات مدرسة الدراما. ولما كنت خجولة جداً لتصوير مقاطع استاند اب كوميدي، فقد انتهى بي المطاف في عمل مكتبي. بعد ذلك بسنوات اكتشفت ليالي المسرحيات الهزلية القصيرة في الحانات، لذا فقد انضممت لكوميدي آخر وكتبنا وأدينا بعض المسرحيات. ووقعت في حب كتابة الشخصيات مرة أخرى، وجمع السلوكيات والإيماءات والأصوات. راقبت امرأة أنيقة للغاية تشكو من حفل زواجها في أحد المقاهي فولدت شخصيتي جورجينا، أكثر النساء هوساً بالتخطيط لحفل الزواج في بريطانيا. وحزت نجاحاً كبيراً على يوتيوب عندما صورت بعض مقاطع الفيديو عن تدوين هذه الشخصية حول يوم زفافها المرتقب. ثم أرسلت أختي (التي ربما لا تزال تشعر بتأنيب الضمير بشأن خدعة المسجل) هذا الفيديو إلى وكيل أعمال ديفيد ويليامز ومات لوكاس، وفي غضون أسبوع كنت قد وقعت وأعددت أول تجربة أداء لي.

بعد بضع سنوات تركت وظيفتي المكتبية لأصبح ممثلة وكاتبة بدوام كامل، وأخذت مجموعة شخصياتي إلى المهرجانات في جميع أنحاء العالم وإلى التلفاز. أكيَّف برامجي التليفزيونية الكوميدية التي أظهر فيها وحدي مع سمعي، وأترك بعض الأضواء لكي أتمكن من معرفة من أؤدي أمامه (في حالة إذا ما أرادوا الانضمام أو الحديث). لا أطيق الأداء في الظلام، وأحتاج إلى أن أرى لكي أتواصل. ونتيجة لذلك، أصبحت عروضي تفاعلية إلى حد كبير وشخصياتي تجلب الجمهور إلى عوالمها. لقد شكل هذا الأمر طريقة أدائي.

وعلى الرغم من أنَّ الأمر مؤلم أحياناً، ولا يمكنني في كثير من الأحيان أن أسمع إشارة البدء من المخرج، فإنني ما كنت لأتخلى عن إعاقتي مقابل كنوز الأرض لأنها هي ما جعلتني الشخص الذي أنا عليه الآن وساعدتني على خلق شخصيات كوميدية قابلة للتصديق ويمكن للناس التفاعل معها. ويعني ذلك أيضاً أنَّ بإمكاني النوم جيداً عندما يشخَّر رفيقي.

-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.

Canon m50

alquds

Canon R System - Be the Revolution !

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.