quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Create Account
Login
Login
Please wait, authorizing ...

0
0
0
s2sdefault

سأُرحب مُجدَّداً في نهاية هذا الأسبوع بصانعي القرار رفيعي المستوى في مدينة ميونيخ الألمانية لمناقشة حالة السلام والأمن في العالم، أو بالأحرى انعدامها على نحوٍ متزايد. ويُمكن أن يصبح هذا المؤتمر أحد أهم المؤتمرات في هذا العقد. وهذا يرجع لعدة أسباب ليس أقلها أنَّه سيشهد مشاركة أكثر من 100 من رؤساء الدول والحكومات والوزراء، وهي مشاركة تسجل رقماً قياسياً جديداً. لكن الأهم من ذلك أنَّنا سنشهد في عام 2019 تداعيات عددٍ من التطورات الأمنية المتصاعدة.

يبدو أنَّ النظام العالمي الليبرالي بأسره يتداعى، لا شيء يبدو كما كان في السابق. عندما ضمَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شبه جزيرة القرم وبدأ الصراع الدموي في شرق أوكرانيا في عام 2014، نظر إليه كثيرون باعتباره السبب الرئيسي في زعزعة الاستقرار العالمي. لم يكن أي شخص يعلم أنَّه بعد بضع سنوات لاحقة فقط، سيتحدَّى الرئيس الأمريكي، على وجه التحديد، النظام الدولي الحالي على نحوٍ جدَّي وخطير. إنَّ تشكيك دونالد ترامب في قواعد التجارة الحرة يضاهي تشكيكه في مجموعة القيم الغربية أو حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا له عواقب ضخمة، ليس فقط بالنسبة لنا نحن الأوروبيين.

ومع ذلك، يُعد ترامب، بعدة طرق، عَرَض من أعراض التغيير أكثر من كونه المُتسبّب فيه. ويُعد الوضع الأمني ​​العالمي حالياً أخطر مما كان عليه في أي وقتٍ مضى منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. نحن نشهد تحوّلاً تاريخياً، حيث ينتهي عهدٌ بينما الخطوط العريضة القاسية لعصرٍ سياسي جديد تبدأ في الظهور. فأينما تنظر، ثمة صراعات وأزمات لا حصر لها، أزمات تؤثر بشدة علينا نحن الأوروبيين.

أحد أفظع الأمثلة هو الصراع في سوريا. لقي مئات الآلاف من الأشخاص مصرعهم على مدى العامين الماضيين في سوريا، التي تقع على بعد 125 كيلومتراً فقط من قبرص، وهي إحدى الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي. ولا تزال الأنباء تتوالى علينا بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية وارتكاب المزيد من الفظائع. تُمثَّل سوريا واحدةً من العديد من النزاعات المدَّولة المستمرة، التي بدأت بالعنف بين جهاتٍ فاعلة محلية ثم جذبت تَدخُّل وانخراط قوى خارجية على نحوٍ تدريجي متزايد. وقد زادت أعداد تلك النوعية من الحروب بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة. لا تتسم تلك النوعية بالدموية المفرطة في كثيرٍ من الأحيان فحسب، بل تكون هناك صعوبة بالغة في حلّها. ويعد اليمن مثالاً آخر على مثل هذه الحروب المروّعة، التي تنخرط فيها قوى إقليمية وتستغلَّها بشدة: إيران من جهة والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى.

وبخلاف هذه الأزمات الحالية، ثمة نقاط ساخنة «دائمة»، مثل الصراع العسكري شبه المتواصل بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، والنزاعات القائمة التي لم تُحل في مناطق مثل إقليم ناغورني قره باغ أو جمهورية أوسيتيا الجنوبية ومنطقة أبخازيا، وكذلك التوترات العرقية في دول غرب البلقان، من بينها الوضع في كوسوفو، الذي لا يزال مُتنازعاً عليه، أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. علاوةً على ذلك، هناك دول تمكَّنت دون كلل بعد معاناتها من صدماتٍ وأضرار بالغة من إيجاد تسويةٍ لحروبها الأهلية، وتحاول إعادة تشكيل حكوماتٍ مستقرة. ومع ذلك، لا تزال نزاعاتها القديمة تغلي تحت السطح وقد تندلع مجدَّداً في أي لحظة، على سبيل المثال في رواندا أو ساحل العاج أو تشاد أو الكونغو أو سريلانكا.

وتُعد الهجمات الإرهابية مشكلةً عالمية أخرى. وقد وقعت معظم هذه الهجمات في العراق وأفغانستان وباكستان ونيكاراغوا وسوريا على مدار السنوات الأخيرة. ومن حسن الحظ، لم تكن ألمانيا هدفاً رئيسياً لتلك الهجمات حتى الآن. ومع ذلك، شهدنا في ألمانيا في الآونة الأخيرة هجماتٍ إرهابية، تتراوح بين جرائم قتل غادرة بغيضة ارتكبتها جماعة «الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض» اليمينية المُتطرّفة، وهجماتٍ قاسية ارتكبها إسلاميون مُتطرّفون. قد يكون الخوف المُتصوَّر أكبر من الخطر الفعلي، لكنَّ الشواغل الألمانية فيما يتعلق بالوضع العالمي الفوضوي سليمة ووجيهة بالفعل. ولعل كارثة فوكوشيما النووية وفيروس إيبولا وتغيُّر المناخ مجرد أمثلة قليلة تتخطَّى القضايا الأمنية التقليدية، وتُشكّل تهديداتٍ جدّية خطيرة على حياة البشر.

ولم نشهد فقط عودة الحروب والعنف، إذ تلوح في الأفق مواجهةٌ جديدة بين القوى العظمى. وعلى النقيض من أوائل تسعينيات القرن الماضي، لم تعد الديمقراطية الليبرالية ومبدأ الأسواق المفتوحة أموراً ثابتة غير قابلة للجدال. فقد طوَّرت الصين شكلاً من أشكال الرأسمالية الحكومية الاستبدادية، ونجحت في انتشال نسبة كبيرة من سكانها من الفقر وجعلهم يعيشون في حالةٍ من الرخاء المعتدل. واكتسبت القيادة الصينية ثقةً تامةً بسبب نجاحها الاقتصادي على وجه الخصوص، لدرجة أنَّها تروّج لنظامها لكي تحاكيه دولٌ أخرى وتقتدي به. وحدث كل هذا على الرغم من حقيقة أنَّ الديمقراطيات لديها قدرة أكبر على محاربة الفساد والتهميش الاجتماعي، أو إزالة العقبات لتحقيق منافسةٍ اقتصادية عادلة. ويُعد سجل الأنظمة الاستبدادية أسوأ بكثير في هذا الصدد، ناهيك عن اعتبارات حقوق الإنسان.

تخلَّت روسيا أيضاً منذ فترة طويلة عن المسار نحو التحوّل إلى دولة دستورية ديمقراطية وليبرالية، إذ لا يُسمح فيها حتى بوجود معارضةٍ سياسية حقيقية أو صحافة حرة أو مجتمع مدني نشط. ومع ذلك، تبدو فكرة القيادة القوية أكثر جاذبية على نحوٍ متزايد، ليس فقط في روسيا، بل في أماكن أخرى في العالم أيضاً. وثمة مدافعون عن ما يسمى بالديمقراطية «غير الليبرالية» حتى في الاتحاد الأوروبي. يريد هؤلاء الأشخاص تقييد حرية التعبير والصحافة، وإدانة ما يزعمون أنَّه سلطة بيروقراطية مطلقة يتمتع بها الاتحاد الأوروبي في بروكسل، أو اللجوء إلى كراهية الأجانب. ويلجأون إلى دعواتٍ  للقومية عفا عليها الزمن من أجل إذكاء شعورٍ عام بالخوف.

في هذه البيئة الدولية، ازداد بوضوح خطر نشوب حربٍ مشتركة بين القوى العظمى والقوى المتوسطة. وبناءً على ذلك، قررتُ أن تكون الفكرة الرئيسية لمؤتمر ميونيخ للأمن عام 2018 تحت عنوان «إلى حافة الهاوية والعودة منها؟». فما كنَّا نلاحظه في العديد من الأماكن حول العالم كان زيادةً هائلة في السياسات التي تنتهج إجراءاتٍ عالية المخاطر تقود إلى الهاوية، أي هاوية الحرب.

للأسف، لم يتحسَّن هذا الوضع خلال العام الماضي، بل على العكس تماماً. فبدءاً من حماية المناخ والتجارة الدولية الحرة إلى احترام حقوق الإنسان وحرمة الحدود الوطنية، تتفكَّك الأجزاء الأساسية للنظام الدولي دون أن يتضح ما إذا كان يستطيع أيٌ شخصٍ جمعها وإصلاحها، أو حتى يريد ذلك. لذا، سيكون التساؤل الأساسي الواضح المطروح للنقاش في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2019 هو: «مَن الذي سيجمع أجزاء النظام الدولي». آمل أن نقترب من الوصول إلى إجابة، ومن ثمَّ نمنع الوصول إلى وضع قد لا يتبقى فيه الكثير من الأجزاء لجمعها.

– هذا الموضوع مترجم عن الموقع الرسمي لمؤتمر ميونيخ للأمن www.securityconference.de

alquds

r system

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.