quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Create Account
Login
Login
Please wait, authorizing ...

0
0
0
s2sdefault

مفارقات الوعي بين انتفاضة السودان ومحاكمة الثورة بمصر..

 «يسير «الحكام» بلدانهم لمزاجيات الخوف، والرهبة من هذا الإسلامي أو ذاك الإرهابي أو من شر مرتقب، خاصة وأنهم لا يرون وسيلة أخرى ملائمة في نظرهم لمواجهة ذلك، كالعدالة والديمقراطية والنماء الاقتصادي والثقافي والتقدم الحضاري. لقد أصبح الخوف وسيلة للتدبير السياسي على المستوى الوطني كما على المستوى الدولي» [المهدي المنجرة، الإهانة في عهد الميغا إمبريالية]

شهدت نهاية سنة 2018 أحداثاً بارزة في الإقليم ذات صلة وثيقة بمخاضات التحرر التي انخرطت فيها الشعوب ضد الأنساق السلطوية التي احتكرت السلطة والثروة وصادرت الإرادة العامة والحقوق والحريات عقوداً من الزمن؛ تتمثل تلك الأحداث في مشهدين اثنين يمكن أن نلج بهما إلى قراءة نقدية للسردية التي تحاول تقديم الربيع العربي على أنه حكاية انتهت فصولها، أو مجرد منعرج في مسار تاريخ المنطقة الذي يراد له أن يكون خطياً، في إغفال تام لمنطق الفعل الاجتماعي وصيرورة التحولات والثورات السياسية والاجتماعية، سواء من خلال التجارب التي عاشتها الشعوب والأمم الأخرى في سياقات الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، أو منطق التغيير  الفجائي الذي أضحى يحكم راهننا الحالي، باعتباره سمة بارزة تخلقت بها كل الحركات الاحتجاجية المناهضة لكل أشكال التحكم والإخضاع للإنسان والمجتمع، باسم الاقتصاد_السوق حيث تكاد الشركات أن تبتلع الدولة والمجتمع معاً في الدول المتقدمة، أو باسم السياسة_السلطة كما هو واقع المجتمعات البلدان التي لا تزال ترزح تحت أقدام الاستبداد.

1)   مفارقة محاكمة الثورة والرئيس المدني في مصر  واحتجاجات السودان

  إن المشاهد المثيرة للانتباه والمفارقات في الأسبوع الأخير من السنة الفارطة (2018)، التي يمكن أن تنتج الفهم ونقيضه في تفسير مجريات الربيع العربي الذي هو في حالة جزر كما هي أحوال التغيير عادة، هي مشاهد متناقضة إلى حد بعيد.

 المشهد الأول: تم التعبير عنه في السودان، شارع منتفض ضد حاكم عسكري استعبد العباد تحت حذائه العسكري ودبابته وأفقر البلاد وورثها أزمات سياسية واجتماعية وحروباً أهلية أودت إلى تفكيك البلاد الغنية بتعدديتها الدينية والإثنية والثقافية؛ وتلك خلاصة طبيعية لحكم الفرد الذي لا يتورع عن النزوع إلى تفتيت كيان مجتمعي بكامله في سبيل الحفاظ على السلطة والاستفراد بها رافضاً أي مطالب للتداول السلمي على السلطة، ولو اقتضى الأمر أن يعلن البلد أرضاً يباباً لا يحلق في سمائها إلا البارود ورائحة الدم وعلى الأرض ركام المباني المنهارة، وما حالة سوريا في منطقتنا العربية إلا تجسيداً أميناً لهذا النزوع الدموي الذي يحكم نفسية المستبد في علاقته بالمجتمع والسلطة.

أما المشهد الثاني: الذي هو من بين المشاهد الكثيرة التي تبعث على واقع ضبابي يعتم الرؤية، فهو قادم من أرض الكنانة مصر، حيث أسقطت ثورة شعبية شكلت لحظة خلاقة في كيان العرب الوجداني والسياسي رئيساً معمراً، لكنه الآن مع تمدد الثورات المضادة، يتقدم إلى المحكمة ليقدم شهادته في أول رئيس مدني عرفته مصر رفقة زمرة من الثوار الذين وجدوا أنفسهم خلف قضبان حكم عسكري أتى للحكم على ظهر الدبابة، واستعاد ما تعتبره المؤسسة العسكرية في ملكيتها ولا يخرج عن حيازتها، أي السلطة خصوصاً والدولة عموماً منذ محمد علي مروراً بعبد الناصر والسادات ومبارك، إذ تعتبر المؤسسة العسكرية نفسها مؤسّسة للدولة، ومن ثم لا يمكن الانتقال إلى الحالة المدنية إلا بتفكيك هذه العقيدة العقدة، التي تقف حاجزاً أمام انتقال أكبر بلد إلى عهد ديمقراطي مدني، يمكن أن تتحول معه المنطقة العربية بكاملها.

 لكن بقاء السلطة مصادرة والدولة مختطفة من طرف «جمهورية الضباط» كما أطلق عليها الباحث يزيد صايغ في تفسيره تشابك العلائق بين المؤسسة العسكرية والشأن الاقتصادي والسياسي، في وضعية ما فوق الجمهورية (ينظر دراسته القيمة: فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر مؤسسة كارنيغي)، سترهن كل المنطقة، وما خروج مبارك إلى المحكمة سيميائياً، إلا دلالة على مسعى وإرادة توجه القوى المناهضة للتغيير، لإذلال ذلك الإحساس النبيل المفعم بالحرية والديمقراطية الذي خلقته الثورات والاحتجاجات في كل الإقليم العربي، ومنه محاولة إعلان نهاية فعلية للربيع العربي والعودة إلى العهد السابق، أي المناخ السياسي لوضعية ما قبل الربيع.

لكن إلى أي مدى تعكس هذه الوضعية من خلال مشهدي السودان ومصر وغيرهما حالة القلق بشأن الربيع العربي أو الحرية والديمقراطية؟ هل احتجاجات السودان مجرد فلتة هامشية؟ وهل مشهد المعارضين من إسلاميين وليبراليين ويساريين وثوار مستقلين خلف القضبان والجلاد السابق واللاحق يحمل السوط إمعاناً في الإذلال لأصوات حرة إطفاء نهائي لشعلة الحرية التي يجب أن تبقى مجرد حلم؟

إن المشهد يتنوع في دلالاته بين التعبير عن امتداد الربيع العربي في وجدان كل الشعوب، وعدم قبول شعلته بالانطفاء؛ بل تزداد توهجاً كلما ظن أن الأمر استتب للاستبداد وتمت العودة إلى وضعية ما قبل الربيع، أي السياقات السياسية التي تؤسس فيه أنساق السلطة والحكم مشروعيتها من حجم العنف والقبضة الحديدية التي تسلطها على المعارضين، هذا النموذج المخيف أسقطته حالة السودان؛ بل في دول أخرى ظلت فيها الاحتجاجات تملأ الشوارع كما هي حالة سوريا في المناطق التي تخضع لاتفاق الهدنة، حيث يخف دور السلاح وتبرز الاحتجاجات المدنية السلمية مطالبة بالشعار الأثير الذي رفع بداية الربيع.

يعد زرع الخوف والحكم من خلاله إحدى الوسائل التي تلجأ إليها الأنظمة المستبدة في العلاقة بشعوبها، وهي قديمة حيث تدنو السلطة والحكم ممن له عصبية وقوة الشوكة حسب ابن خلدون التي تعني القدرة على إخضاع الآخرين بحد السيف، فقط استبدل السيف بالدبابة، لكن الاستبداد والحكم المطلق نفسه _زمن ابن خلدون في الشرق ومع ميكيافيلي وهوبز في الغرب والآن في الشرق مرة أخرى_، يشير عبد الله العروي إلى تيمة الخوف قائلاً «العنف يزرع الرعب والرعب يؤدي إلى الخضوع والانقياد. هناك علاقة عضوية، قائمة ودائمة، بين الخوف والاستبداد. ليس في حقل السياسة علاقة أوثق من هذه.. الاستبداد هو السياسة بدون قناع والخوف هو أول نزعة نفسانية» (من ديوان السياسة، ص: 12.13).

إن متلازمة الخوف من خلال الحكم بقبضة حديدية بغاية الإخضاع والانقياد، أصبحت معكوسة، فالخوف لم يعد نزعة خاصة بالشعوب، وإنما هو كحالة سيكولوجية تجلي جانباً آخر على مستوى الاضطراب في الخطاب والسلوك للأنظمة السلطوية ذاتها، في علاقتها بالشعوب، إذ يعد سلوكها الهمجي تعبيراً عن حالة فوبيا من المجتمع، كما هو حال مستبد سوريا الذي نشر الموت والخراب والحاكم العسكري في مصر الذي يظهر في خطاباته بما يشبه حالة الهذيان، كل ذلك يعني أن أي انفراجة في القبضة العسكرية والأمنية ستجعل تلك الأنظمة في حكم الزوال، رغم أنها متداعية من الداخل، لأن الخوف والرعب المجسد في نشر الموت، لم يعد له فعالية بعد الربيع الذي كسر ذلك الحاجز وأنهاه على المستوى السيكولوجي، وقد ركبت السودان موجة التغيير، ومن نافل القول التأكيد أن الحالة المصرية لن تكون استثناء إذا زالت موانع القهر والظلم والأدوات الخشنة التي يبرع فيها نظام تسلطي بحق شعب بأكمله، أو من خلال تزييف الوعي وتضليله بالأدوات الناعمة «الإعلام» التي تشتغل على شيطنة القوى الوطنية الديمقراطية وتقديمها كونها تهديداً ليس للمجتمع وحسب، وانما للقوى الكبرى التي تمنح الاستبداد غطاء على المستوى الدولي كونه يرعى مصالحها.

إن حالتي مصر والسودان وغيرها من المفارقات في الإقليم، تعكس وضعية يعيش على إيقاعها الوجدان العربي برمته، نخباً وشرائح مجتمعية وقوى مدنية وسياسية، بين الوقوع في اليأس حيث الركود ومتاهات الظلم الممارس باسم مؤسسات العدالة في أوطان أضحى يتحسس فيها المرء رأيه جراء الظلم والجور _ بما يعكس حالة الأنظمة الشمولية التي جسدها جورج أورويل في رائعته 1984_،  وبذلك يظن أن الربيع أضحى «شتاءً طويلاً» مشبعاً بالمتاهات التي لا حصر لها، فيتم التسليم بالأمر الواقع_الركون للاستبداد_ والاستسلام النفسي والفكري لحالة الإحباط السائدة.

 هذه المفارقة تطرح نفسها في مواجهة مع أخرى نقيضة لها؛ وهي حالة الأمل في الشعوب التي تبعثها احتجاجات في هذا القطر أو ذاك؛ معلنة الصلاحية المستمرة للشعارات والقيم التي بثها الربيع العربي في وجدان المجتمعات ودفع مخيالها الجمعي إلى إعادة التشكل على أساسها، وهنا خلق حالة أمل جماعي، تعيد حالة الوهج وترسخ في وعي الشعوب أن أهم مخلفات ثورات مطلع العقد كانت كسر حاجز الخوف وخروج المارد من الحجز، مما يجعل العتمة والمد والجزر في مسارات الحراك الشعبي قد تطول، لكن تستحيل العودة إلى وضعية الجمود وعلاقات الخضوع والإذلال والإهانة لإرادة الشعوب، التي تمارسها الأنساق السلطوية والقوى الكبرى الراعية لها.

إن حجم الإهانة والإذلال يعد قانوناً في مسارات التغيير، حيث تؤثر سلباً على القيم المجتمعية، وحينما تستفحل نزولاً من أعلى على المجتمع مصحوبة بسياسات التفقير وانعدام أسس العدالة الاجتماعية واحترام والحقوق والحريات، ولما تبلغ تلك «العوامل جميعها الحد الخطر فإن مظاهرها تتجلى للعيان ويختل الاشتغال الاجتماعي وتكثر الانفجارات والعصيان المدني والحنق الجماهيري الذي يؤدي إلى انفجار النظام، وآنذاك يتعلق الأمر بشرخ في الكرامة، وهذا ما أسميه «انتفاضة» (المهدي المنجرة: الإهانة في عهد الميغا إمبريالية)، ذلك ما حصل في الربيع العربي كما تنبأ به مفكر المستقبليات المهدي المنجرة، وهو الذي يبدو عياناً في راهننا الحالي، حيث تضاعف حجم الإهانة وخنق الحريات وأصبحنا أمام دول ونظم فاشلة، لا تؤمن أساسيات العيش، مما سيجعلها أمام  انفجار اجتماعي وسياسي عارم.

هذا الأمل في المستقبل تغذيه العناصر الآتية، بالإضافة إلى عنصري كسر حاجز الخوف وحجم الإهانة المولد لشرخ في الكرامة.

2)   التغيير  والديمقراطية صيرورة من التفاعلات وليس عملية ميكانيكية

  إن عملية التغيير سواء السياسي المجتمعي أو الثقافي الفكري أو الحضاري عموماً ليست ميكانيكية الطابع، ومن ثم _على المستوى السياسي_ فإن الانتقال من وضع يسود فيه الاستبداد ويبسط نفوذه بأدوات الإرهاب النفسي والمادي من خلال زرع الخوف في المجتمع، إلى وضع تسود فيه الديمقراطية وما يتبعها من الاحتكام إلى القانون وتدبير الاختلاف السياسي والمجتمعي بالحوار مع حرية النقد، ذلك الانتقال ليس وصفة جاهزة التطبيق، بل هو صيرورة معقدة تتداخل في صياغتها عدة عناصر، أهمها المعطى الزمني الذي قد يمتد وقتاً طويلاً، والنماذج الثورية في السياق الأوروبي خير مثال على ذلك.

 غير أنه في سياقنا الراهن ومع الطفرة الحاصلة في وسائط التواصل وتكنولوجيا المعلومات المتصلة اتصالاً وثيقاً بنشر الوعي السياسي والاجتماعي والتفاعل البيني السريع واللحظي، تجعل مما كان يتحقق في عقود أو قرون في العهود السابقة، سهل المنال والتحقق في حقبة زمنية قصيرة، ويمكن النظر إلى ذلك عيانا في كثافة اللحظة منذ اندلاع الاحتجاجات إلى الآن مع تغول الثورة المضادة، حيث شهد الإقليم تحولات وأحداث كبرى كانت تحتاج فيما مضى إلى عقود من الزمن، رغم أن التحول الحقيقي إلى عهد جديد من الديمقراطية الذي تصان فيه الحقوق والحريات وتستقر فيه النظم على أسس تعاقدية متينة بين المجتمع والدولة، ليست وصفة مكتملة، وإنما قضية يتفاعل فيها الإنساني مع الاجتماعي مع حجم الوعي بمتطلبات مراحل الإخفاق وكيفية تدبير الحوار السياسي المجتمعي حول القيم والمبادئ الضامنة لذلك لذلك الانتقال، باعتبار التناقض الرئيسي بين المكونات والقوى الوطنية المعبرة عن المجتمع وبنى السلطوية والاستبداد، وليس بين القوى ذاتها حيث يعمل الاستبداد دوماً على زرع الانقسام والتطييف والكراهية، وما حالة السياق الإقليمي الذي تشتغل فيه مؤسسات فكرية ودينية وإعلامية ونخب همها الوحيد زرع بذور الاحتراب الإيديولوجي في جانب لتوريث الأحقاد وتعميق الانقسامات، وفي جانب آخر شغل الرأي العام عن قضاياه الرئيسية في الديمقراطية والحرية والعدالة واستبدال ذلك بما هو وهمي وزائف.

3)    نظام عالمي عصي على التنبؤ والتوقع بمجرياته.

إن تيمة عدم التوقع التي توجه النظام العالمي الحالي بسبب التعقيدات التي تطبعه، تمنح مجتمعاتنا بعض الأمل بالمستقبل، فبمقدار الضبط والتحكم من خلال الإعلام الذي يعمل على التوجيه حسب مصالح الأقوياء، أو المؤسسات المباشرة في سياقنا العربي عسكرية كانت أو سياسية، فإنه يولد حركة وعي في الاتجاه المعاكس، نظراً لأن التعقيد الحاصل يجعل الحكومات والأنظمة السياسية عاجزة عن إدارة نظام يتراوح بين التفلت الانضباط بسبب التفاعل والتغير المطرد الفائق السريع، وما تركته العولمة من ديناميكية مؤثرة في عالم التواصل الاقتصاد وحركة البشر.

 يشير كان روس في كتابه الذي يحمل من خلال العنوان إشارة دالة [الثورات بلا قيادات.. كيف سيبادر الناس العاديون إلى تولي السلطة وتغيير السياسة في القرن الواحد والعشرين. طبعة عالم المعرفة] على التوتر الذي يسم النظام الحالي، والذي هو في نظره «نظام سائب سيال، ليس مضبوطاً، ولكنه ليس فوضى كاملة، على رغم مظاهر هذه الفوضى أحياناً: النظام موجود في حالة بين الانضباط والفوضى. إنه مثال على التعقيد واللبس. العالم نظام معقد. لسنا أمام رقعة شطرنج يستطيع القادة والحكومات فيها تحريك البيادق ونقلها وصولاً إلى نتائج قابلة للتوقع، وإن كانت معقدة، نحن بصدد أمر مختلف. في الأنظمة المعقدة، من شأن أفعال فرد واحد أن تحدث تغييراً للنظام كله، فحين أقدم محمد البوعزيزي على إحراق نفسه في إحدى البلديات التونسية الصغيرة، تمخض عنه إحداث زلزال سياسي خض العالم العربي: «الربيع العربي» (الثورات بلا قيادات، ص: 11).

وبعبارة أخرى فإن الوضع الذي عليه واقعنا الراهن «تقدر أي قشة مهما صغرت، قصم ظهر البعير، يتعذر التنبؤ بما من شأنه أن يطلق عملية التغيير، أو بموعد حدوثها»، هذا المنظور يمكن من خلاله تفسير جملة من الاحتجاجات التي شهدتها العديد من الدول في سياقات مختلفة، في العالم العربي كما السياق الأوربي الذي يقرأ الكاتب جملة من الأحداث على ضوئه، كما برزت عدة قراءات في الآونة الأخيرة تدعم هذا المسار في نقد النظام العالمي المورث للتفاوتات والاختلالات الاجتماعية التي تغيب معها العدالة وتصبح القيم والمبادئ خاضعة للمصالح والحسابات.

إن الاستراتيجيات التقليدية لم تعد ذات جدوى في ضبط إيقاع حركة المجتمعات، لذلك يدخل الفعل ضمن اللامتوقع كما حصل مع الربيع العربي وقبله مع حركة «احتلوا وول ستريت» ومع احتجاجات ذوي السترات الصفراء في فرنسا؛ فبمقدار الظن أنه تمت السيطرة والإخضاع للإنسان والمجتمعات بالأدوات الناعمة والخشنة؛ بمقدار حفاظ هذا الأخير على كينونته التي تنزع إلى التمرد في لحظات غير متوقعة، أو كتلك التي يحدث فيها شرخ في الكرامة بالنظر إلى حجم الذل المضاعف في حقه كما توقفنا مع المهدي المنجرة.

 ففي السياق العربي نجد الانفجارات الاجتماعية تحصل بسبب غياب الحد الأدنى للديمقراطية والحرية والكرامة، بما يحقق بعض أوجه دولة الحق والقانون وليس دولة العسكر أو الفرد أو العائلة أو الطائفة، بمعنى ثورات واحتجاجات من أجل صياغة تعاقد سياسي ومجتمعي تنتقل معه المنطقة من حالة ما قبل الدولة إلى الدولة، أو من دولة الفرد والولاءات الضيقة، إلى دولة تعبر عن روح المجتمعات، بحيث يتشكل نظامها، وفق الإرادة العامة؛ أي الشعب.

أما احتجاجات السياق الأوروبي فهي موجهة ضد تغول الشركات التي راكمت أرباحاً طائلة في يد قلة مقابل ضرائب مثقلة على طبقة وسطى لم تعد الدولة توفر لها الحماية، فهذه الاحتجاجات موجهة لنمط من الهيمنة مع النيوليبرالية، تمددت فيها أدوار الشركة والسوق على حساب الدولة والمجتمع وحرية الإنسان وكرامته، ويمكن هنا مساءلة الديمقراطية ذاتها التي أصبحت موجهة خاضعة لرغبات الأقوياء من أصحاب المصالح ولوبيات الضغط والنفوذ، لكن حالة ما بعد الدولة هذه لا تعني العجز الكلي، إذ إن استقرار الديمقراطية في السياق الغربي من خلال مؤسسات ونظم انولدت من رحم المعاناة في أزمنة التغيير الكبرى هناك، ومدى حرية الإعلام والمجتمع المدني وسلطة الرأي العام الذي يملك ثقافة راسخة في حماية مكتسباته، كل ذلك يقدم صورة جلية على كيفية تصحيح النظام الديمقراطي اختلالاته من الداخل، لكن في صلة بطبيعة النظام الحالي فإن العناصر التي تحكمه وتؤثر فيه نفسها، ومنها عدم إمكانية التنبؤ.

إن عدم إمكانية التنبؤ بكامل التغييرات الممكن وقوعها والتي يصطبغ بها النظام العالمي الحالي، يعني في السياق العربي أن عودة الاستبداد واستتباب الأمر لسلطته قد يكون لبرهة من الزمن وحسب، وذلك نظراً لإخفاق النخبة في بلورة رؤية أو نظرية لمرحلة ما بعد الربيع العربي، أي مرحلة الانتقال من الثورة إلى الدولة، وهو ليس شأن الشرائح الاجتماعية التي تهم إلى التغيير، وإنما إلى النخبة والمثقفين الذين بحاجة إلى الاستبصار والوعي بأسئلة المرحلة ورهاناتها، بما يسمح بتشكيل براديغم جديد لقضايا الحرية والديمقراطية والمواطنة، والانتقال بما عبر عنه المكنون المجتمعي في شعارات إلى نظم ومبادئ ضابطة لعلاقة السلطة بالمجتمع، وهو ما أخفقت فيه القوى الوطنية والنخبة حينما انصرفت عن ذلك الأفق الرحب الذي فتحه الربيع إلى زوايا الاحتراب البيني، والتنازع كيفما كانت تيمته في السياقات التي لم تعرف الديمقراطية فيها التوطين والرسوخ كثقافة وسلوك سياسي، يؤدي إلى الفشل، لكنه مرحلي كما يظهر، حيث سمح الفشل إلى عودة الوجه البشع للاستبداد، وهو ما يعني الكلفة الباهظة التي ستدفع كل القوى المجتمع لتكون في مستوى انتظارات المجتمع، أو إن فعل المجتمع مستقبلاً سيكون بوتيرة أكثر جذرية، سيما أن التحرر الكلي من عقدة الخوف والتشوق إلى الحرية والديمقراطية كانت إحدى السمات البارزة التي رسخها الربيع العربي في الوعي الجمعي.

ختاماً.. إن عدم الوعي بالعناصر الفاعلة في الدفع بمسار المجتمعات نحو الانتقال، وكذلك الركون الى نماذج تقليدية في تفسير التغيرات الحاصلة، إلى جانب معطيات الزمن وطبيعة النظام العالمي الحالي، كل ذلك قد يدفع إلى الحكم على الواقع الراهن الذي يمر به مسار الربيع العربي بحالة السلب، إذ تفسر وضعية الجزر الحاصلة بأنها استكانة وانزياح نحو الجمود عن فئة كبيرة من النخب والفاعلين الذين تأملوا الانتقال الى عهد الديمقراطية والحرية بأنها عملية ميكانيكية سهلة التركيب، لكن المستبصر  يعي أن مسار التغيير السياسي والمجتمعي جد معقد، تمر فيه المجتمعات من كبوات هي عبارة عن مراحل تخلق عدة شبيهة بوضعية الجنين قبل أن يكتمل، كما أن التحول ذاته كي يكون ناجزاً رهين بانتقال في مستويات أخرى ذات علاقة في الجانب الثقافي والفكري لدى النخبة، بما يسمح ببلورة أطروحة وأرضية للمراحل الانتقالية، لأن مناخ التوتر العام في الإليم يشي بأن صيرورة التغيير وإن وقعت في حالة جزر فإنها لم تتوقف، وأن الانكماش الحاصل في بلدان تختلف عنه حالات أخرى تقوم بإشعال فتيل الحرية في الوجدان الجمعي لشعوب المنطقة، هذا إلى جانب كسر حاجز الخوف وعنصر الكرامة الدفين في النفس الإنسانية الرافضة للإذلال، تدعمه معطيات الزمن المتسارع وطبيعة النظام العالمي الحافل بالمفاجآت نظراً لتعقيده وعدم إمكانية التوقع ومن ثم السيطرة للأقوياء.

فخيار الحرية أن تكافح إذا أرادت ألا تبقى مجرد أمل وهمي، ليس في مصر أو السودان أو المنطقة العربية وحسب، وإنما كمطلب إنساني أصيل يناهض نزعات الاستعباد والظلم في أي مكان.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

alquds

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.