quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Create Account
Login
Login
Please wait, authorizing ...

فى التربية الجمالية للانسان – فريدريش شيللر

59 التحميلات

فى التربية الجمالية للانسان – فريدريش شيللر

تعد فلسفة فردريك شيلر الجمالية نقطة التقاء و تحول في تاريخ علم الجمال ، فهي نقطة التقاء عبقرية كانط في الفلسفة و عبقرية جوته في الشعر , كما أنها نقطة تحول في علم الجمال ، إذ جعلت من القيم الفنية و الجمالية  منطلقا لخطيط الحرية و الابداع , و طريقا لبلوغ أسمى ما في الإنسانية من دوافع للسمو الروحي .

بهذه الرؤية تناولت الدكتورة وفاء إبراهيم رسائل شيللر في التربية الجمالية و قدمت لها بدراسة علمية وافية تناولت فكر الشاعر الفيلسوف و فلسفته في فن الجمال و دوره في النقد الأدبي .

وزيادة في الإيضاح ألحقت بمقدمتها ترجمتين إحداهما مقال عن فلسفة شيللر الجمالية كتبه لدائرة المعارف الفلسفية جوليوس إلأياس و الثانية لمقدمة رجنالد سنل مترجم الرسائل من الألماية إلى الإنجليزية .

ولقد جاءت ترجمت وفاء إبراهيم لرسائل شيللر تلبي حاجة القرئ العربي المتخصص و المثقف على السواء إلى القراءة الجادة و الدراسة المعمقة . 

* * * * *

نظرا لموقع الكتاب ولأهميته في إطار تاريخ الأفكار ، وبالأخص : في امتداد الفلسفة الكانطية، وفي إطار وضع المثال الرومانسي للفن ، أعتبر فريدريك شيللر من أهم الشخصيات الفكرية والفنية والفلسفية ، ورغم أن الرجل لم يعمر طويلا ( 46 سنة) ، إلا انه ترك رصيدا من الإبداعات التي لا تعد نابعة إلا من صميم العبقرية ، والكتاب الذي نستعرضه في هذا البحث المتواضع ظهر في أعقاب الثورة الفرنسية وكأن شيللر حين ألف هذا الكتاب كان يريد أن يرسل من خلاله رسالة مفادها أن التغيير الذي ينتج الحرية، لن تحدثه الثورة المادية ـ لا في مجال السياسة ولا في مجال الاقتصاد ـ وأن كل تغيير لا ينبع من ترقية البعد الجمالي والذوقي للإنسان لا يمكن أن يكون إلا مظهرا من مظاهر الاستبداد والضياع الإنساني . 

فريدريك شيللر 1759 ـ Friedrich SCHILLER 1805 شاعر ومفكر، مسرحي، ومن منظري الجمال ، ألف الكثير من الأشعار الفلسفية ، والعروض المسرحية والقصص، من بين أهم آثاره المتوثبة بالحرية : تسبيحة الفرح، التي ضمنها الموسيقار بيتهوفن سمفونيته التاسعة وأول مسرحياته مأساة قطاع الطرق Brigands (1781) التي عرفت نجاحا منقطع النظير. 

توجه شيللر نحو الدراسات اللاهوتية أولا ، لكنه أقصي عنها بتحريض من الدوق الذي كان يتولى الإدارة البيداغوجية ، بعد 13 سنة في هذا التوجه ، وعندما تولى كارل أوجين رئاسة التربية ، ضمه إلى أكاديميته العسكرية ، وهي المؤسسة التي تتولى تدريب خاصة الموظفين . وهناك اختار شيللر دراسة الطب . ولذا كان التآلف بين الروح والجسد من بين أهم اعتقاداته الفلسفية. وتشرب من نفسانية عصره وكذا تأثر بالفلاسفة التجريبيين الإنجليز .

كانت التجربة مخيبة للآمال ، وبما أنه منع من ممارسة كل عمل أدبي قرر شيللر الفرار . فكان المنفى الذي يعني فقدان كل أمان مادي . وكانت عبادة الحرية ، وبغض الاستبداد، بدون شك من بين الأسباب ـ وأسباب أخرى ـ قد أثمرت لقاحا مثيرا أدى إلى بروز هذا الكتاب .

منذ زمن الأكاديمية ، مرَّ شيللر بأزمة عنيفة ، تختزل صورة كل الفترة القلقة التي يعيشها هذا العالم الجديد . وكانت الرومانسية إحدى التعبيرات عن " أزمة الحضارة " أو كما يسميها روني غينون René Guénon أزمة العالم الحديث(1) . وكان شيللر يرى أن عقيدته المسيحية تتخلخل بهذه العقلانية ، والتأليهية التي تبعتها تتأرجح هي أيضا بدورها، فكان يبحث عن عقيدة وعن ميتافيزيقا من نوع جديد يرتاح في فضائها مما كان يجد.

كما لا ينبغي أن نغفل عن قراءة كانط والتي يجب أن تتموقع في هذا المجال في فكر شيللر ، فهذه العبارة التي يضمنها بمعناها أو بلفظها في العديد من الرسائل : " كان يجب أن أضع حدودا للعقل لكي أجعل للإيمان مكانا " تجعلنا والحال هذه نستحضر كل الفلسفة الكانطية ، لقد استفاد شيللر من مبدأين أساسيين من الأفكار التي عرضها كانط في ثلاثيته النقدية : الحرية واستقلالية الإرادة ؛ ووجود حكم خاص داخل الإنسان هو الحكم على القيمة الجمالية ، المستقلة والتي يتعذر تبسيطها . إنها معطى أساسي ينبغي فهمه جيدا.

الهدف الأساسي للمؤَلَّف :

كانت الرسائل التي ألفها في التربية الجمالية، موجهة إلى الدوق فريدريك هولستاين أوغستنبرغ Frédéric de Holstein-Augustenbourg وظهرت للمرة الأولى على صفحات جريدة الأيام التي أسسها مع صديقه الشاعر العظيم غوته سنة 1795 ، ثم أعيد نشرها سنة 1801 . في ذلك الحين صُدِّرَت الرسالة الأولى بهذه العبارة الفرنسية: « إذا كان العقل هو من يصنع الإنسان، فإن العواطف هي التي تقوده " (2).

لن نجد مرآة تشخص بصدق وجلاء حالة الإنسان الحديث ـ بل وحتى المعاصر وخاصة الإنسان العربي ـ أكثر من هذه الرسائل والتي نجد لها شبيها في المجال الفكري والأخلاقي في الفترة المعاصرة عند روني غينون ووالتر ستيس ، إذ يرجع الأخيران الخلاص الإنساني والتحرر من سطوة المدنية والحضارة المادية إلى سلطة الروح الصوفية الخالصة ، صوفية القديسين كما يسميها ستيس (3) ، لكن الذي يذهب إليه شيللر في الرسائل لا يذهب خارج المجال الحسي للإنسان ، بل إنه تحت تأثير التجريبية الإنجليزية يقر أن الخلاص البشري لا يكاد يجاوز المجال الحسي، لكنه يعلي من هذا المجال فهو لا يقرنه بالحس المادي ، وإنما هو الحس الجمالي أو سلطة الذوق الجمالي، إذا شئنا أن نعطي الفكرة تعبيرا تأثيريا انطباعيا. 

تتمحور الأطروحة العامة للرسائل حول : الجمال وانعكاس الحرية على هذا العالم الحساس ، وضمن هذا المعنى العام يمكننا سماعُ صدًى أفلاطونيا، وكأن نظرية المثل الأفلاطونية بكل دلالاتها الفلسفية لا تخرج عن جوهر هذه الرسائل. كما وأن شاعرنا ينظر إلى التربية الجمالية من منظور سياسي شامل. فمنطلق أفكاره كان الثورة الفرنسة التي تبدى أثر فشلها في تحقيق غاياتها الأساسية، وهذا ما تجلى في ما حدث غِبَّ هذه الثورة من تجاوزات رهيبة خلال فترة "روبيسبيير". ثم إن الإنسانية انقسمت من جراء هذه الثورة بين العقل والغريزة التي يعدها ميولا فطرية في الإنسان ، إن هذين البعدين الأساسيين للإنسان في مواجهة مستمرة ، غير أن الحرية في نظره لا يمكنها أن تنبسط لتصير مصطبة توطأ باسم العقل أو باسم الغرائز. إن اللذة الجمالية وحدها القادرة على أن تؤلف بين العقل والحواس، وأن تمنح الوجود لمجتمع متناغم، متوازن، عادل، ومكتمل. وأهل الفن وحدهم أفضل صناع للمشروع السياسي، بل ولأي مشروع إنساني كان. 

هذه النظرة صيرت من شيللر الصديق والنديم الملازم لشاعر ألمانيا العظيم غوته، فمعا عملا تحت إمرة الفن والثقافة وانصرفا نحو تهذيب الذوق، الذوق الجمالي بكل أبعاده، فكانت مزاولة الشعر والمسرح الذي كان يعد في رأيه " معبدا للجمال " ، ولم يكن الأمر مجرد هروب من واقع أليم يعيشه الإنسان، وأحلام وردية ينسجها خيال الشاعر بل كان محاولة، بل معاناة فكرية فلسفية عميقة لا تنجم إلا غِبَّ خلخلة جذرية في المفاهيم والمبادئ والقيم، مثل تلك التي خاضها شيللر. يقول شيللر في إحدى مراسلاته مع صديقه غوته : « في الوقت الذي يطرح فيه الفيلسوف خياله جانبا؛ وفي الوقت الذي لا يعنى فيه الشاعر بالتجريد؛ فأنني أرى نفسي مرغما ؛ عندما أعمل شاعرا وفيلسوفا في نفس الوقت عليَّ الاحتفاظ بالقدرتين؛ الخيال والتجريد » . « إن عقلي يعمل وفقا لطريقة رمزية , فأنا أرفرف مثل الطيور الهجينة وأحاور بين التصور والتأمل , وبين المنطق والشعور, والاعتماد على الفهم والقريحة الخلاقة, هذه هي حالتي التي خلقت أفكاري وأشعاري. وخاصة في مستهل حياتي ».

وباختصار: التربية الجمالية، ليست هنا مجرد " تكملة " تربوية على غرار " الذيل والتكملة " ، تأتي بعد غيرها لتستكمل ما لم يكتمل، وإنما يتعلق الأمر بما يمكن أن يقال عنه ـ و هنا يتفجر المعنى الواضح للعنوان ـ فقط التربية الجمالية والفن، يمكنهما أن يربيا بالتمام والكمال إنسان هذا العصر، وهما وحدهما القادران على إتمام قدر الإنسان وإيصاله إلى غايته، أن يجعلاه يتحقق كلية في منتهى غِنَاه، وطبيعته و ذاتيته. 

الأبحاث الأساسية للرسائل :

إن القراءة الأولية للرسائل، تعطي انطباعا بأن الأبحاث الأساسية للرسائل متضمنة في الرسائل التالية: الرسالة الثانية، الرسالة الخامسة، الرسالة السابعة، الرسالتين الثامنة والتاسعة، الرسالة الثانية عشرة، الرسالتين الرابعة والخامسة عشر، الرسائل الثالثة والرابعة والخامسة والعشرين.

ضمن هذه الرسائل يرى فرديريك شيللر في الفن وسيلة التربية السياسية الكلية بل والوحيدة والأساسية التي لا غنى للبشرية عنها؛ هذا هو المحور الأساسي للرسائل حول التربية الجمالية للإنسان، وفي هذه المقاربة للنص كتب هربرت ماركيوز البعد الجمالي. 

يمكننا إذن، اعتبار الرسائل حول التربية الجمالية للإنسان كمثال أولي للمهماز الحديث الذي يدفع نحو الفن باعتباره ملاذا سياسيا. « لكي يتم عمليا حل المشكل السياسي، لابد من اختراق النهج الجمالي، لأنه من خلال الجميل يمكننا بلوغ الحرية ». كما جاء في آخر الرسالة الثانية.

ومع ذلك فإن العالم الحديث يترك مجالا ضيقا للفن كما يقول والمحدثون ليسوا يونانيين! إن نقطة انطلاق شيللر هي لوحة قاتمة عن المجتمع الحديث وعن إنسان هذا العصر : فسيادة الفلسفة النفعية التي تقر بأن الحاجة هي التي ينبغي أن تسيطر على جميع الأصعدة ، كما جاء في بداية الرسالة الأولى، والتطور العلمي، والتقني الذي يضيق الخناق حول الفن والإبداع، والإنسانية التي بدأت نحني تحت نير الطغيان والاستبداد السياسي، وانتشار رقعة الصراعات السياسية وتهديدات الحروب ، والإرهاق المعنوي، هذا ما تضمنته لوحة المجتمع المعاصر الذي رسمتها الرسالة الخامسة . 

إن يقين شيللر التام هو أن وظيفة الفن شيء آخر مخالف لما يعتقد الجميع؛ وغايته هي توجيه الإنسانية نحو حياة متناغمة وحرة ، إن على الصعيد الفردي أو على الصعيد الجماعي.

والمرجعية النظرية لهذا المسعى هي بالطبع الإستيطيقا الكانطية، التي يشكلها شيللر ويحولها بمخياله الشعري الخارق، كما يشكل النحات حفنة الطين البكر فتتحول إلى أثر خالد وتحفة تشده الألباب. 
وإذا كان كانط قد وضع استقلالية الإستيطيقا في مقابل الأخلاق، فهو على الأقل أبقى رابطا رمزيا بين الجميل والأخلاقي. أما شيللر فقد حاول إعطاءها معنى وبعدا ملموسين لا ينفصلان عن إطار التجربة الحسية، وهو في هذا يستلهم الفلسفة التجريبية الانجليزية التي تأثر بها في مرحلة سابقة من مراحل حياته.

وحسب شيللر ، فإن الجميل يحدث أثرا أخلاقيا مباشرا . ذلك لأن الشيء الجميل، المتناغم، المنتظم، يلاقي صدى في الطبيعة، وحتى في الطبيعة الإنسانية نفسها ويملأ ألحَّ حاجاته : الحاجة إلى الإتحاد ، والتناغم بين أشياء العالم كلها، وهي الفكرة التي نجد لها شبيها في الفكر والشعر الصوفي ، و بالأخص عند متصوفة وحدة الوجود كابن الفارض ، وابن عربي، وعبد الكريم بن إبراهيم الجيلي. ونجد شيللرفي الرسالة السادسة يتكلم عن الإتحاد المفقود، والطبيعة الإنسانية الممزقة متسائلا : ( كيف يمكن إعادة العثور على الإتحاد والتناغم ؟ ) ـ هذا المفقود الذي ضاع في خضم الحضارة المادية بكل زخمها وإفرازاتها المختلفة.

إن اللذة الجمالية بالنسبة لكانط هي وقع الترابط الحر، التوافق الحر بين قدراتنا التي في العادة هي منفصلة عن بعضها بل وتبدو متقابلة : الفهم ، العقل ، التخيل ، أما بالنسبة لشيللر فإن الأمر يتعلق بالتناغم بين وجهي الطبيعة البشرية، بين الدافعين الذين يقتسمان الطبيعة البشرية : العقل، " أو الغريزة الصورية " من جهة، والحساسية أو " الغريزة الحسية " من جهة ثانية (4). 

ينبئونا الفن وكذا الحس الجمالي للإنسان، أن الطبيعة البشرية لا تختصر في التعارض بين هذين الدافعين ، إذ يوجد هناك دافع ثالث يوفـق بينهمـا: إنه دافـع [ الأداء ، أو اللعب] ( ...غريزة اللعب ، التي فيها يتناغم الفعلان، فيسبغ كل منهما قوانينه العارضة، الصورية والمادية، وعليه ، فكمالنا ونشوتنا على هذا المثال ... (5) ) ففي الفـن والتجربة الجمالية يتحقق هـذا [ الأداء ، اللعب] . 

للإنسان في اللعب ، (حدس تام بإنسانيته ) (6) فالأمر يتعلق بحالة من الحرية ، توحي لنا بوجود ذلك الطفل القابع فينا على الدوام : إذ يفر الإنسان من خضوع العقل المستسلم لنفسه ولحساسيته؛ فطبيعة الإنسان متوافقة وحرة ولذا فإن المخرج من سلطة العقل وسلطان الغرائز يبدأ باللعب دوما.

بالنسبة لشيللر ، كما كان الحال عند غالبية فلاسفة الأنوار، يعد مشروع الإنسانية متضمنا في المشروع الفردي ، وعليه فإن كل مشروع تربوي للفرد هو مشروع للإنسانية جمعاء، والعكس صحيح أيضا. وهكذا يمكننا تلخيص مشروع المؤسسة التربوية التي يدعو إليها شيللر فيما يلي:

إن الفن قد أصبح حالة من الحرية فإذا أعطيناه كل المكانة التربوية التي يستحقها فإن سلطة الحرية ستتوسع، فيسري أثرها من الفن إلى الأخلاق ثم إلى السياسة. ولعل دولة الجمال تسبق دولة السياسة الضامنة للحرية .
إن الاستقلالية الجمالية تلعب دورا أساسيا في خلق الإنسان الحديث، فبفضلها يمكن تصور الدولة التي تكون الحرية فيها أولا، متجسدة في المجال الفني، ثم تتغلغل شيئا فشيئا في شتى المجالات الأخرى، مجالات العلاقات الاجتماعية والعلاقات الأخلاقية، ومنها إلى العلاقات السياسية. 

التدريب على الفنون، الموسيقى، الرسم، والشعر، كلها ترعى ابتهاج الفرد، وتثمر فيه النشوة، ويجب أن ينحسر دور الدولة الحديثة عن ترقية الشروط التي تسمح للجميع بالاستفادة نفس المزايا . 
وعلى هذا فإن شيللر لم يكن يجهل الحواجز، التي كانت وما زالت، تقف أمام هذا الإنجاز، إنه يعلم أن العهد الحديث، بما شاع فيه من نفعية ، وآلية ، وبما انتشر فيه من التخصصات الجزئية ، أو سلطة ما سمي فيما بعد " العقل الآلي " والخضوع لمبدأ العائد (بالمفهوم الاقتصادي التجاري) ليس بملائم على الإطلاق للانسجام البشري : فهو ليس " غير انعكاس لمهنته، لعلمه " الجزئي " (7). 

لكن ما تراهن عليه " رسائل في التربية الجمالية للإنسان " شيء أساسي، وأكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وهنا تظهر حداثية شيللر؛ إنه يعتبر التجربة الجمالية، والخلق الفني المستقل كلاهما، من العوامل المساعدة على تغيير المجتمع.

هذه الأطروحة نجد لها امتدادا معاصرا في فلسفة الجمال، كما سبقت الإشارة إليه، عند هربت ماركوز Herbert Marcuse الذي يرى في البعد الجمالي تفجيرا للقوة السياسية الكامنة في الفن والتجربة الجمالية. فماركوز يجعل السيادة للجمال في الحياة والعمل والعلاقات بين الناس. إن سيادة الجمال في شؤون المجتمع، تعني التخلص من الاستغلال، وألاعيب التسلط والسيطرة، وتفاهات الإسراف (8).

يقول ماركوز : " سيصبح في وسع الوجدان ، والتكنولوجيا ، والعلم الجديد ، بفضل تحريرها [أي التجربة الجمالية] أن تكشف إمكانيات الناس والأشياء ، تلك الإمكانات التي تحمي الحياة وتغنيها، ثم أن تحققها إذ تتصرف طليقة من كل قيد ...وفي نهاية المطاف يمسي العلم فنا، والفن يقولب الواقع برمته، إذ يمضي التضاد بين العقل والخيال، بين الملكات العليا والملكات السفلى، بين الموهبة الشعرية والموهبة العلمية (9)..." 

ويقول في نفس السياق : " .. إن نعت جمالي هو الذي ينبعث من الحواس كما ينبعث من الفن ـ يعبر جيدا عما تكون عليه مزية سير العملية الإنتاجية ـ الإبداعية، في بيئة حرة، فالتقنية تجسد الحساسية الذاتية، إذ تستعير ملامح الفن، في كل موضوعي، في عالم حياة ...لقد تعلموا أن لا يجعلوا هويَّاتهم وهويَّات أولئك الأباء الأسطوريين شيئا واحدا.. " (10)

في حين يقول شيللر في إحدى مراسلاته مع صديقه غوته : « في الوقت الذي يطرح فيه الفيلسوف خياله جانبا ؛ وفي الوقت الذي لا يعنى فيه الشاعر بالتجريد ؛ فأنني أرى نفسي مرغما ؛ عندما أعمل شاعرا وفيلسوفا في نفس الوقت عليَّ الاحتفاظ بالقدرتين ؛ الخيال والتجريد » . « إن عقلي يعمل وفقا لطريقة رمزية, فأنا أرفرف مثل الطيور الهجينة وأحاور بين التصور والتأمل , وبين المنطق والشعور , والاعتماد على الفهم والقريحة الخلاقة , هذه هي حالتي التي خلقت أفكاري وأشعاري . وخاصة في مستهل حياتي » .

من خلال النصين السابقين يبدو تأثير شيللر في فكر ماركوز واضحا جليا، ويمكننا أيضا أن نلاحظ عمق الفكرة النابعة من تجربة ذاتية، تجربة الشاعر والفنان المبدع الذي يسهم في تلقيح شجرة الذوق الجمالي العام، وفي نفس الوقت الفيلسوف الذي يرمق الواقع والمجتمع بعين ناقدة، وبصيرة موجهة، هذا ما يمكننا أن نلمسه من النص الأخير لشيللر، بينما نلمس بعض القلق في الفكرة بل و تكاد هذه الفكرة تكون من السطحية بالمكان الذي يمكننا أن نطلع منه على خلفية ما ذهب إليه ماركوز، ولكن ربما نلتمس له في ذلك العذر بأنه كان يعبر عن فترة المخاض التي عاشها العالم المعاصر، الفترة الواقعة في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي كان يحلم أنها ستكون فترة العودة " بواسطة الثورة الجديدة " إلى فكرة الحرية من زاوية الحياة الشخصية. 

ملخص مترجم عن الرسالة الثانية :

لا يروقني أن أعيش في حقبة غير التي وجدت فيها ، كما لا أود أن أعمل لعهد غير العهد الذي أنتمي إليه . إننا مواطنو زمننا، كما أننا مواطنون في بلد معين. فإذا كنا نرى أنه من غير الملائم ومن غير المشروع حتى ، أن لا نتلاءم مع أخلاق وعادات الوسط الذي فيه نحيا ، فلماذا نرى أنه بدرجة أقل من الواجب، في الوقت الذي نمتلك فيه قدرة اختيار أي نشاط، أن نعير السمع للحاجات والأذواق التي تلائم العصر ؟

وعليه فصوت هذا الأخير لا تبدو إطلاقا أنها تنهض باتجاه الفن... إن سير الأحداث أعطى لروح العصر وجهة تهدد بإبعاده دوما، عن الفن المثالي بشكل أكبر. هذا الأخير الذي من مهامه الانفصال عن الواقع ، والسمو في جرأة تليق به ، فوق الجاجات؛ لأن الفن وليد الحرية، ويود لو أن قواعدها تملى عليه بدافع الضرورة الروحية وليس بدافع الحاجات المادية. في حين أن الحاجة هي التي تسود وهي تُمِيلُ [ عنق ] الإنسانية المنحطة تحت نيرها الطاغي. 

إن المنفعة في هذا العصر هي أكبر الأصنام، إنها تطمع في أن تستعبد الكل ، وتود لو تمدحها جميع المواهب وتعظمها. وفي هذه الموازنة القلقة يبدو الاستحقاق الروحي للفن بلا وزن؛ وبدون تشجيع ، وهو ينسحب من واقع العصر الصاخب (11)، وحتى روح البحث الفلسفي فهي تحتل من الخيال المجال تلو الآخر. وهكذا فإن حدود الفن تنكمش، في حين أن العلم يوسع نطاق وجوده.

إن الفيلسوف ورجل العصر، كلاهما شاخص ببصره نحو مسرح الأحداث السياسية الذي يغتلي فيه قدر الإنسانية .أليس من خيانة اللامبالاة المذمومة في حق خير المجتمع، أن تتم المشاركة في هذا الحوار العام ؟ بمحتواه وبأهدافه، وإن هذا الإجراء الهام يخص أي فرد يفترض أن يدعى رجلا. وبمنهجية [أكثر وضوحا]، ينبغي أن يشغل هذا أي متوثب بفكر شخصي. إلى حد الآن ، السؤال الذي أجاب عنه فقط الحق الأعمى للقوي ـ هو كما يبدو في هذه اللحظة ـ قد مَثُلَ أمام محكمة العقل الخالص، كي يتمكن الفرد أن يضع نفسه في مركز العالم ، وأن يتجرأ على المستوى الإنساني ، فيحق له أن يعتبر كما لو أنه المستشار في هذه المحكمة العقلية ، أو هو كذلك جزء باعتباره بشر، وكذا مواطن في هذا العالم ، وبالتالي فإن النتيجة تعنيه. إنها إذن ليست مجرد قضية فردية سوف يتم البت فيها في هذه المحكمة المهمة؛ سوف يتم الإعلان من باب الفضيلة والقانون، باعتباره الذهن المتعقل، الذي يملك القدرة وله الحـق في أن يمـلي مـا يشـاء من [ الأوامر ].. 

...إذا قدمت الجمال على الحرية، فأعتقد أنه ليس علي الاعتذار من هذه المنهجية فحسب، لكن أكثر من هذا علي أن أبررها بواسطة مبادئ. أتمنى أن أقنعكم بأن هذه المادة هي أكثر غرابة وبعدا عن ذوق العصر منها عن حاجاته، وهكذا، لكي يتم عمليا حل المشكل السياسي، لابد من [اختراق] النهج الجمالي، لأنه من خلال الجميل يمكننا بلوغ الحرية. وهنا فالبرهنة التي لا يمكن أن تتم دون أن أذكركم بالمبادئ التي يتخذها العقل بطريقة عامة موجها عندما يسُنُّ تشريعا سياسيا. 

ملخص مترجم عن الرسالة الخامسة :

هل الزمن الحاضر يمكنه أن يمرر أحداثا تمثل هذا التميز ؟ إنني أوجه انتباهي أولا إلى الشيء الأبرز في هذا البناء الشاسع .

صحيح أن الاعتبار بالحكم قد تهاوى، والميل قد ضعف، وكما هو دوما مسلح بالقوة ، فإنه لا يتلقى أي احترام . إن الإنسان قد استفاق من سباته ومن خيبة أمله، فراح يطلب بإلحاح وإثارة، بناء صرح من الحقوق الدائمة (12) . لكنه لا يطلبها فقط ، إنه ينهض من جميع الجهات ليصادر بالقوة على ما يبدو في نظره، قد اغتصب بظلم منه. إن صرح الدولة الطبيعي متصدع ، وأسسه تهتز، والإمكانية الفيزيقية تبدو على حد الموافقة على وضع القانون على العرش. من أجل تكريم الإنسان كغاية (13)، وجعل الحرية الحقة، قاعدة للوحدة للسياسة. [إنه] أمل تافه! فالإمكانية الأخلاقية مفقودة والفرصة السانحة تبحث عن قاعدة غير قابلة للتأثر (14).

إن الإنسان يرسم نفسه في حركيته، ولكن ما هو الشكل الذي سيرسمه في مأساة هذا الزمن الحاضر ؟ إنه يعدو بوحشية من جهة ، كما يبدو من الأخرى، وكأنه في حالة من البلادة؛ لكن وفي أقصى حالتي الانحطاط البشري، فهو يرى في كليهما معا وفي نفس الفترة.

وفي أدنى أوسع التكتلات، الدوافع الخالصة والفوضوية تطفو هنا لتشاهد، الانكسار والتفكك، عندما تنفجر وتتمزق رابطة الواجبات المدنية؛ وهكذا تهرع وفي احتدام وهياج إلى تلبية غرائزها الطبيعية. الإنسانية الموضوعية استطاعت معرفة السبب الذي يجعلها تتذمر من الدولة؛ مع أن الإنسان الذاتي يجب أن يكرم مؤسساتها. فهل يلزم من ذلك أن يستنكر لأنه فقد النظر إلى كرامة الطبيعة البشرية، على شرط أن يكون معنيا بحفظ وجوده ؟ هل يكمننا أن نلومه لأنه بادر بالعزل بدافع القوة الجاذبة، وموثوقا بدافع قوة التماسك، في الوقت الذي لا يوجد فيه أي فكرة عن بناء أو ارتقاء إلى الأعلى ؟ إن انطفاء الدولة يتضمن مبرراته . إنها قاعدة اجتماعية خالصة ، فبدلا من التسارع نحو الأعلى في الحياة العضوية، نلاحظ انهيارا في قواها. ومن جهة أخرى، الطبقات المتحضرة تعطينا النظرة الأكثر كراهة للبلادة الخالصة (15) ، ولفساد الملكة التي هي التمرد المغروس في الثقافة. نسيت من هو أكبر الفلاسفة أو الأكثر ذكرا ، من قدم الملاحظة التالية : " هذا هو الأكثر نبلا و ثورة في تدميره " . الملاحظة تنطبق على الحقيقة في عالم الأخلاق. ابن الطبيعة، عندما يكسر بنذالة، يصبح مجنونا؛ لكن مريد الفن عندما يكسر بنذالة يصير ملكة منحطة (Rabaisser)، إن توضيح التدبير الذي بمقتضاه تكون الأنفة أكثر نقاء من الطبقات في ذاتها، مع بعض الأرض، تبين على العموم هكذا القليل من تأثير [النبلاء] على الفكر الذي يبدو بالأحرى مثبتا للفساد بدافع من قواعده السلوكية. إننا ننكر الطبيعة في ميدانها الشرعي ونحس بطغيانها في المجال الأخلاقي، مع مقاومة تامة لانطباعاتها، نتلقى مبادئنا منها. بينما الذوق المتأثر بطرقنا، لا يسمح حتى للطبيعة بتأثير مغتفر في المرحلة الأولية، إن نسقنا الأخلاقي المادي يسمح لها بصوت بناء في المرحلة الأساسية والأخيرة. 

لقد أسست الأنانية نسقها في أحشاء مجتمع نخبوي، وبدون أن تنمي حتى ملكة اجتماعية، أننا نحس بكل مآسي وأوبئة المجتمع. [وهكذا] نخضع كل أحكامنا الحرة لهذه الآراء المستبدة، وأحاسيسنا لهذه العادات الغريبة، وإرادتنا لإغواءاتها. أننا نمتلك فقط نزواتنا ضد هذه الاستقامات القديسية. إنسان هذا العالم يجعل قلبه ينقبض بفعل فنِّ الرضا الذاتي الأنوف، في حين أن هذا من إنسان الطبيعة دوما ضرب من المشاركة الوجدانية [التجانس]؛ وكذا كل إنسان لا يلتمس إلا إن ينقذ ملكيته المهترئة من هذا الخراب العام، كما لو أنها معرضة لاحتراق كبير مؤكد. إننا نتصورها كما لو أنها الطريقة الوحيدة للحصول على ملجأ ضد زيغ العاطفة، وتماما كما لو أنها الرأفة الخلفية لها. والاستهزاء، الذي هو عادة، عقاب ضروري باطني، و قذف بِنَفَسٍ واحدٍ للطموحات الأكثر نبلا. أن نزرع، بعيدا عن تحررنا ـ فقط ـ تنمو ضرورات جديدة كما تقدم؛ فقيود النهاية الفيزيائية التي تضيق أكثر من حولنا، لدرجة تجعل من خوف الهلاك، يطفئ حتى الدافعية المتأججة نحو التحسن، والقواعد السلمية للطاعة تدخر لحكمة الحياة الأكثر سموا . 

وهكذا فروح الزمن يتراءى كما لو أنه يتردد بين المستهجن والمستحسن، بين ما هو مصطنع وبين ما هو طبيعي خالص، يبن ما هو تشاؤم وبين ما هو أخلاقي دون شك، ولكنه دوما ليس شيئا، لكنه التوازن بين الآثام التي ترسم له حدودا.

اسم الملف: فى التربية الجمالية للانسان – فريدريش شيللر.pdf
حجم الملف: 8.92 MB
عدد الزيارات: 58 عدد الزيارات
التحميل: 59 مرة / مرات

alquds

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.