quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Create Account
Login
Login
Please wait, authorizing ...

0
0
0
s2sdefault

يُمثل مصطلح “ما بعد العلمانية” اتجاهاً فلسفياً غربياً حديثاً، يأخذ في الاعتبار الحيوية المتواصلة للدين، وقدرته على اجتذاب قطاعات من الجماهير في كل مكان، حتى في الغرب الذي ظن مفكروه أنه هُزم بلا عودة على يد التنوريين والحداثيين.

ناقش الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) هذا الاتجاه الفلسفي خلال المحاضرات التي ألقيت في حدث أكاديمي بارز عام 2009 في الولايات المتحدة؛ شارك فيه فلاسفة من كندا والولايات المتحدة وهم: تشارلز تايلور (Charles Taylor) وجوديث بتلر (Judith Butler) وكورنيل ويست (Cornel West).[i] وخلص إلى أنه لا يمكن للهوية الجماعية الليبرالية أن تبقى بعيدة من تأثير التفاعل السياسي بين القسمين: المتديّن، وغير المتديّن من السكان، بشرط أن يعترف كل منهما بالآخر بوصفه عضواً مساوياً في الجماعة الديمقراطية نفسها. ولا بد –عنده- أن يكون كل المواطنين أحراراً في تقرير إن كانوا يرغبون في استخدام لغة دينية في المجال العام أم لا. ورأى أن على العلمانيين والمتديين اللقاء كأنداد في استخدامهم للعقل العام، داعياً إلى إرساء معنى عالمي لحقوق الإنسان يُذكرنا في الحاجة إلى تطوير إطار دستوري لمجتمع عالمي متعدد الثقافات في طور التشكّل.

يقدم كتاب “جدلية العلمنة: العقل والدين” (يورغن هابرماس وجوزف راتسنغر، تعريب وتقديم: حميد لشهب، دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 2013) المناظرة التي نُظمت بداية عام 2004 في الأكاديمية الكاثوليكية في ميونيخ، بين هابرماس وأحد أعمدة ممثلي الكاثوليكية الأوروبية الكاردينال الألماني جوزف راتسنغر ( البابا بنديكتوس السادس عشر (2005-2013)[ii] )، وقد تضمنت النقاش الدائر حول التجاذب بين العلم والدين في المجتمعات ما بعد الحديثة، وما وصلت إليه الفلسفة الغربية في هذا الموضوع الحيوي. ذكرتنا هذه المناظرة بحدث علمي بارز نُظِّم في متحف التاريخ الطبيعي في جامعة أكسفورد حمل عنوان “هل دفن العلم الله؟” بين عالِم البيولوجيا التطورية ريتشارد دوكينز (Richard Dawkins) (1941)، وزميله بروفيسور الرياضيات جون لينكس (John Lennox) (1943)[iii].

حضور الفكر الكلاسيكي اللاهوتي

يشدد الكاتب والأكاديمي المغربي حميد لشهب (مترجم الكتاب) على أهمية الجناج الجرماني لاتمام معرفتنا بالآخر، عبر نقل أفكار المفكرين وفلاسفة العالم الجرماني: ألمانيا، النمسا وشمال سويسرا إلى العالم العربي. ينطلق هذا الاهتمام المعرفي من القناعة بأن هذا الفضاء ظل غائباً وضئيل الحضور عربياً، على المستويين الفكري والفلسفي؛ وهو الفضاء الذي قال عنه هايدغر (Heidegger): “إن الفلسفة لم تتكلم إلاَّ بلغته واللغة اليونانية”.

احتوى التقديم على أفكار تمهيدية عامة تحيط القارئ باتجاهات الفكر الجرماني المعاصر في ميدان الفلسفة والفكر، لا سيما الوضع الراهن للصراع بين العقل والدين. ينتقد لشهب المسلمات الخاطئة في العالم العربي عن كون الفكر الديني، وخصوصاً المسيحي، قد عرف تقهقراً واضحاً على يد الفكر النقدي، ويشير إلى أن الفكر الكلاسيكي اللاهوتي الغربي ما زال نشطاً ومثابراً في الكليات والمعاهد الدينية المنتشرة في أوروبا وأميركا (…) وهو متعدد المذاهب والمشارب العقائدية والفكرية (…) وما يوحده على مستوى التنظير، رغبته في إعادة الاعتبار للدين المسيحي في جانبه الطقوسي الشعائري، والأخلاقي المقاوم للاختلالات الروحية الناتجة عن الحضارة المعاصرة. في ملاحظة دالة يشير لشهب إلى ضرورة النظر في العلاقة التي تجمع بين السلطة الدنيوية والسلطة الدينية (…) لأن التحديات التي تواجه المجتمعات ما بعد الحديثة لا حصر لها. بات واضحاً أن الخطر الذي يداهم الإنسانية بفعل التطور العلمي ربما يؤدي إلى القضاء على العنصر البشري إذا استمر تطور العلم بهذه الوتيرة.

لا يندرج الكتاب في الجدل الكلاسيكي حول العلم والدين، إنما هو مناظرة علمية تدور حول محورين: الأول، “الأسس القبل السياسية للدولة الديمقراطية القانونية” (عنوان مداخلة هابرماس)؛ والثاني، “ماذا يوحّد العالم؟ أسس الحرية الماقبل السياسية لدولة حرة” (عنوان مداخلة راتسنغر).

هابرماس و”الحداثة المتجاذبة”

يطرح هابرماس، أكبر الفلاسفة الألمان المعاصرين، القضايا التي تُثيرها الدولة الدستورية الديمقراطية، مستحضراً الإشكالية التي وضعها الفيلسوف الألماني إرنست فولفغانغ بوكنفورد (Ernst Wolfgang Böckenförde) في منتصف الستينيات من القرن الماضي: ألا تتغذى الدولة العلمانية الحرة من فرضيات معيارية لا يمكن أن تضمنها هي بنفسها؟ تتضمن هذه المعادلة مسألتين:

أ- الشك في إمكان الدولة الدستورية تجديد شروط وجودها المعيارية من طريق إمكاناتها الخاصة.

ب- الاعتقاد بأن هذه الدولة في حاجة إلى تصورات قديمة للعالم أو تصورات دينية، وهي في كل الأحوال تصورات أخلاقية جماعية موروثة. وقد يؤدي هذا الاعتقاد بالدولة بالنظر إلى موقفها المحايد لتصور خلق العالم و”واقعة التعدد” إلى مشاكل كثيرة. (ص 45).

يرى هابرماس أن المجتمعات ما بعد العلمانية تفرض علينا طرح السؤال التالي: ماهي التصورات العقلية والتطلعات المعيارية التي يمكن للدولة الليبرالية أن توفرها لمواطنيها سواء الذين يؤمنون بدين ما أم الذين لا يؤمنون بأي دين؟ بعد تفصيله لموقف الليبرالية السياسية التي تقدم نفسها كتبرير غير ديني وغير ما بعد ميتافيزيقي للأسس المعيارية للدولة الدستورية الديمقراطية، يلاحظ هابرماس أنه لا وجود في الدولة الدستورية لأية سلطة على الرعايا تتغذى من مادة قبل القانونية. وفي ضوء هذه الإشكالية الموروثة، فإن سؤال بوكنفورد قد فُهم وكأنه دعا إلى حاجة النظام الدستوري المكتمل والوضعي إلى الدين أو أية سلطة قوية من أجل التبرير العقلي لصلاحية سلطته. وانطلاقاً من الشروط المعيارية التي تفرضها الدولة الدستورية يموضع هابرماس حجاجه ضمن السياق الأخلاقي/ التواصلي  في العلاقة بين المواطنين والدولة. والحال، فإن الطبيعة العلمانية للدولة الدستورية الديمقراطية لا تتضمن أي ضعف داخلي في نظامها السياسي يمكنه أن يهدد من وجهة نظر عقلية أو عاطفية استقرارها الخاص. (ص 53).

ينتقل هابرماس للحديث عن مفهوم “التضامن الوطني الشعبي” و “التضمان الاجتماعي” إزاء تحول مواطن المجتمع الليبرالي، الذي يعيش في رفاهية وسلم، إلى وحدة لا تفكر إلاّ في نفسها ومصالحها ولا ترى إلاّ حقوقها الذاتية. أدت العولمة والأسواق العابرة للقارات وتصاعد حركة الخصخصة إلى “ضياع وظيفة الرأي العام والتطلعات الشعبية التي كانت فيما قبل سارية المفعول” (ص 54) ما أنتج نوعاً من القلق الجماعي سمح بتفاقم سياسات التهميش.

يستخدم هابرماس مصطلح “الحداثة المتجاذبة” في إشارة إلى عدم الاكتفاء بمساعدة القوى العلمانية وحدها للإجابة عن المعوقات التي يفرضها “المجتمع ما بعد العلماني“. ظهر اليوم صدى نظرية تؤكد أن الدين وحده هو الذي يمكنه أن يساعد “الحداثة المتكسرة” بتأسيسها على أساس متعالٍ من أجل إخراجها من المأزق الذي توجد فيه” (ص 55).

سقوط فرضية خفوت الدين

استكمل هابرماس خلال الحدث الأكاديمي في الولايات (المشار إليه أعلاه) انعطافته الفلسفية، فبعد أن نظَّر لافتراضات مضادة للدين ولم يبدِ اهتماماً كافياً به، ثمة اعتراف منه بحقيقة أن الدين لم يخفت تحت ضغوط التحديث، وأنه يمكن إعطاء مفهوم السياسي ذي الطابع الديني معنى عقلانياً في الظروف الديمقراطية الليبرالية الراهنة[iv]. فبات “من اللازم على الوعي الديني أن ينجح في صيرورة اندماجية في المجتمع الحديث (…) وأن يستغني عن الحق في احتكار التأويل وتنظيم الحياة الشامل نظراً لشروط علمانية العلم ومحايدة سلطة الدولة والحرية الدينية الشاملة” (ص 60).

الأغلبيات والأسس الأخلاقية للقانون

قامت مداخلة رايتسنغر على خمسة أركان رئسية: النداء إلى الالتقاء/ التعاون بين العقل والإيمان؛ التحديات الجديدة التي تواجه الإنسان؛ فكرة الحق الطبيعي كحق عقلي؛ التعدد الثقافي كفضاء لارتباط العقل والإيمان؛ والعقل والإيمان مدعوان لتنظيف وشفاء بعضهما البعض.

يتحدث رايتسنغر عن السلطة والقانون، إيماناً منه بــأنه “لا يجب تطبيق قانون الأقوياء لكن يجب تطبيق قوة القانون” (ص 68 – 69). هذه الخلاصة الأولية وضعها في ثنائية الأغلبية والأقلية، حيث اعتبر أنه “يمكن للأغلبيات أن تكون عمياء أو جائرة” بقوة القانون “ويؤكد لنا التاريخ هذا الادعاء. إذا ضغطت أغلبية كبيرة على أقلية صغيرة، كأقلية دينية أو عنصرية مثلاً، من قوانين جائرة، فهل يمكن للمرء أن يتحدث عن عدالة القانون؟ إن مبدأ الأغلبية يطرح مشكل الأسس الأخلاقية للقانون” (ص 70).

الدين والعقل وقوة التكامل

يتطرق رايتسنغر إلى الإرهاب الديني طارحاً الأسئلة التالي: إذا كان الإرهاب يتغذى من التعصب الديني _ وهو يفعل ذلك _، فهل يمكن اعتبار الدين سلطة مشفية ومنقذة أم سلطة قديمة وخطيرة تبني عوالم خاطئة وتقود من طريقها إلى عدم التسامح والإرهاب؟ ألا يجب هنا أن نضع الدين تحت رقابة العقل ونحدّ من سلطة الأول بدقة؟ (…) وهل يمكن اعتبار إزاحة الدين وتجاوزه كتطور ضروري للإنسانية لتصل إلى طريق الحرية والتسامح الكوني أم لا؟ (ص 72 -73).

ابتعد رايتسنغر في تحليله من النصوص المقدسة المؤسسة للعنف الديني، ساعياً إلى مقاربة وجهة نظره من القضايا التي تطرحها “صلاحية العقل” كقوة هدامة “فالقنبلة النووية هي نتاج العقل وكذلك الاختيار الجيني من خلق العقل نفسه” متسائلاً: ألا يجب والحال هذه أن نضع العقل تحت الوصاية الآن؟ وإذا كان ذلك ممكناً فمن سيتكفل بذلك؟ أم ألا يجب على الدين والعقل أن يتكاملا ويلتزم كل واحد منهما بحدوده للوصول إلى طريق إيجابي مشترك؟

يعرض رايتسنغر لمفهوم التعدد الثقافي بوصفه بعداً ضرورياً في الزمن المعاصر على مستوى الوجود الإنساني والاختلاف بين الثقافات والديانات وعلى صعيد العلاقة المتبادلة بين العلم والدين. ومع تأكيده أن الإرث العقلاني الأوروبي متفاوت الحضور في الفضاءات غير الأوروبية، يحاج حول أهمية أن تتقبل الثقافة العلمانية بعقلانيتها الصلبة الفهم المسيحي للواقع/ للحقيقة، على الرغم من تناحرهما. وفي طرح موازٍ بلور الفيلسوف الأميركي كورنيل ويست فكرة أن الأولوية لا بد أن تُعطى لتحقيق طموحات البشر في حياة كريمة تضمن للإنسان حاجاته الأساسية، أما وسائل تحقيق هذه الغاية فلا بد من السعي إليها في كل أنواع الخطاب، من علماني وديني دون إنغلاق. يقول ويست: “إننا عندما نتكلم عن إعادة النظر في العلمانية، فإن علينا أن نفكر في الطرق التي يجب أن يصبح بها المفكرون العلمانيون، أكثر تناغماً مع الموسيقى الدينية”.[v]

حدود العقل والانصات للوحي الديني

خرج رايتسغنر في نهاية مداخلته باستنتاجين: الأول، أن العقل نفسه مصاب ببعض الأمراض، ومنها هذا النوع من الاعتزاز بالنفس، وهو لا يقل خطورة عن نظيره في الدين بل يمكن اعتباره أخطر بكثير: السلاح النووي، صنع البشر. لهذا يجب على العقل كذلك أن يُقاد من جديد إلى حدوده ويكون مستعداً للانصات لاتجاه الوحي الديني للإنسانية. وإذا استقل العقل نهائياً ورفض الإنصات، فإنه يصبح هدّاماً. (ص 81)  والثاني، لا بد من تطبيق هذهالقاعدة الأساسية في ميدان تعدد الثقافات في وقتنا الحاضر (…) أي توسيع العلاقة الثنائية بين الدين والعقل في الغرب إلى علاقات متعددة مع ثقافات أخرى متفتحة على هذه العلاقة الثنائية، بين العقل والدين في الغرب، وبهذا يكون من الممكن أن يقوم نوع من صيرورة التطهير الكوني، يمكن من خلاله للمعايير والقيم الغربية المعروفة من طرف الجميع أن تستمد قوة جديدة والوصول من طريق هذا إلى قوة إنسانية جديدة يمكنها أن توحد العالم. (ص 82).

شهدت التنظيرات حول العلمانية تطوراً لافتاً في الفضاء الفلسفي الغربي منظوراً إليها من مجتمعات ما بعد العلمانية التي تحتفي بالتعددية الفكرية والسياسية وتتقبل نداءات المؤمنين. إن الاستعادة الدورية لـ “التبادل الإيجابي” بين العلم والدين في الغرب عموماً وأوروبا خصوصاً، تؤشر إلى معطيين أساسيين: الاهتمام بالدين  كمنظومة ضمن المنظومات المجتمعية الأخرى، من قبل الفلاسفة الغربيين الذين ظنوا أنه ضَمُر تحت وطأة الحداثة؛ والحاجة الملحة لوضع ضوابط أخلاقية تكبح القوة التدميرية للدين والعقل في آن، الأول نتيجة انفجار الأصوليات الدينية من داخله؛ والثاني بسبب جنوحه السلبي، تحديداً العقل التكنولوجي والافتراضي/ الرقمي، إلى انتزاع الإنسان من إنسانيته، بقوة الثورة الصناعية الرابعة (Fourth Industrial Revolution)، هذا إلى جانب المخاطر المحتملة لأسلحة الدمار الشامل الأشد خطراً على مستقبل البشرية.


[i]  راجع: هابرماس، يورغن وآخرون، قوة الدين في المجال العام، تعريب: فلاح رحيم، مركز دراسات فلسفة الدين (بغداد)، دار التنوير (بيروت) الطبعة الأولى، 2013.

[ii] استقال البابا في 28 فبراير (شباط) 2013 نتيجة تقدّمه بالسن، ليكون أول بابا يستقيل منذ ستة قرون.

[iii]   أصدر جون لينكس كتاباً حمل عنوان (God’s Undertaker: Has Science Buried God? ).

[iv]  يقول هابرماس: “لا يُقر تعبير (ما بعد العلمانية) للجماعات الدينية بالاعتراف العلني بها لمساهمتها الوظيفية في إنتاج الدوافع والتصورات”، وإنما احتراماً لصوتها وتصورها، بحيث يتوجب على هذه الجماعات قبول الدستور العلماني، وقبول التعددية الثقافية وواقع الممارسة السياسية التي فرضتها الليبرالية الدستورية في الدولة الديمقراطية الدستورية. ولأن الدستور باعتباره أسمى القوانين لا يمكنه أن ينتصر لجماعة ضد أخرى، ليضمن بذلك حيادية الدولة تجاه تصورات العالم السائدة”. راجع: العلوي، رشيد: هابرماس والحاجة إلى مجتمع ما بعد العلمانية، صحيفة الشرق الأوسط الدولية، 14 كانون الثاني (يناير) 2016، العدد: 13561.

[v]  راجع: هابرماس، يورغن وآخرون، قوة الدين في المجال العام، مرجع سابق.

Canon m50

alquds

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.