quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Create Account
Login
Login
Please wait, authorizing ...

0
0
0
s2sdefault

الحديث عن ظاهرة الإرهاب - بالنسبة إلي - ليس بحثاً في الأخلاق، أو السياسة المقارنة، أو والأديان المقارنة والقانون، ومكافحة الإرهاب والتطرف العنيف؛ بل محاولة لفهم ظاهرة الإرهاب الذي تنفذه الأطراف الفاعلة ما دون الدولة (الجماعات، والمنظمات، والشبكات، والذئاب المنفردة) وعلاقته بسيرورة العولمة كظاهرة إنسانية عصيّة على الضبط المخبري والقياس الأمبريقي، ولا زالت تتفاعل بتسارع ووتيرة تفوق قدرتنا كبشر على متابعة تفاعلاتها وفهم مخرجاتها القابلة للتغير بشكل مستمر.

 

الحديث عن ظاهرة الإرهاب - بالنسبة إلي - ليس بحثاً في الأخلاق، أو السياسة المقارنة، أو والأديان المقارنة والقانون، ومكافحة الإرهاب والتطرف العنيف؛ بل محاولة لفهم ظاهرة الإرهاب الذي تنفذه الأطراف الفاعلة ما دون الدولة (الجماعات، والمنظمات، والشبكات، والذئاب المنفردة) وعلاقته بسيرورة العولمة كظاهرة إنسانية عصيّة على الضبط المخبري والقياس الأمبريقي، ولا زالت تتفاعل بتسارع ووتيرة تفوق قدرتنا كبشر على متابعة تفاعلاتها وفهم مخرجاتها القابلة للتغير بشكل مستمر.

الفكرة الرئيسة والمركزية (التي تشغلُني) في البحث عن الإرهاب العالمي المعاصر؛ أن العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى، يزخر بالمخاطر والرعب والخوف والقلق والتوتر وتحديات لا تنتهي، وإدراك البشر لهذه المخاطر والتحديات الآن أعمق وأوسع من السابق.

وأن سيرورة العولمة الحالية خاصة ميكانزماتها التكنولوجية التي تتميز بالتسارع الشديد؛ هي حاضنة ذلك كله من خلال عمليات التفتيت والدمج التي تقوم بها بتسارعٍ كبير.

وفي الوقت الذي أصبح فيه إدراك البشر لمزايا الرخاء والتقدم والازدهار مبعثا على التنافس بين الدول والجماعات والأفراد، فقد أصبحت تحديات متخطية للحدود القومية، مثل الإرهاب والتطرف الديني العنيف الذي تقوم به "أطراف فاعلة ما دون الدولة" حافزا للأطراف الفاعلة من الدول على التعاون.

وجد الإرهاب منذ بداية البشرية والإنسان العاقل، وارتبط بالأديان بشكل عام ولم يتغير الكثير على هذا الواقع في الحقبة الحالية من العولمة لكن حجم، وعمق، واتساع إدراكنا كبشر لظاهرة الإرهاب هو الذي تغير وبتسارع كبير بسبب آليات العولمة المختلفة وبالذات التكنولوجيا.

وإذا كانت العولمة سيرورة جارفة تتخطى الحدود القومية للدول والجماعات، فإن الإرهاب المتخطي للحدود القومية الذي ساهمت في إدراكه وانتشاره؛ يحمل بشكل صارخ صبغة إسلاموية معاصرة.

والفرضّية الرئيسة التي أثبتُّها خلال دراستي الأكاديمية السابقة للعلاقة بين العولمة والإرهاب (خاصة من الناحية الكمّية الرياضية والإحصائية) هي ببساطة؛ إن هناك علاقة إيجابية وتأثيراً متبادلاً بين الظاهرتين، وارتباطا قويا بين المؤشر العام للعولمة والمؤشر العام للإرهاب

وأن هناك علاقة بنيَويّة ووظيفّية إيجابية بين العولمة والإرهاب، حيث إنه لو زاد مؤشر العولمة بمقدار وحدة واحدة فقط، فإن مؤشر الإرهاب سيزيد بمقدار (47%).

هذا يعني أن الزيادة في ظاهرة العولمة تؤدي إلى الزيادة في ظاهرة الإرهاب، لكن ليس بالضرورة بالمقدار نفسه، كذلك النقصان في ظاهرة العولمة يؤدي إلى النقصان في ظاهرة الإرهاب، ولكن ليس بالضرورة بالمقدار نفسه[1].

وعلى الرغم من أن كافة مؤشرات العولمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد ساهمت في هذا التأثير، إلاَّ أن مؤشر العولمة (التكنولوجية) كان يمثل المتغير الوسيط بين العولمة والإرهاب وصاحب الدور الحاسم في حجم إدركنا للظاهرتين، والتسارع الهائل في الظاهرتين؛ فكلما اتسع نطاق انتشار مؤشرات التكنولوجيا اتسعت معه سيرورة وآليات العولمة، واتسعت معه آليات عمل الجماعات والمنظمات الإرهابية إذا استطاعت الشبكات والمنظمات الإرهابية كأطراف فاعلة ما دون الدولة استغلال مخرجات (التكنولوجيا) بكافة أشكالها بفعالية أكثر من الدول في عمليات التجنيد والدعاية وإثارة الرعب والتوحش على مستويات أوسع وأعمق من أي وقت مضى في التاريخ.

عمليا؛ هذا الأمر وضع صانع القرار السياسي في الحقبة الحالية من العولمة، وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب العالمي أمام خيارات صعبة وضيقة جدا بين: النكوص عن العولمة واللجوء إلى كبت الحريات والرقابة المسبقة على الحريات الفردية وفرض قوانين صارمة، أو ترك المجال لسيرورة العولمة بأن تجري بمساراتها الطبيعية الجارفة.

عملياً؛ هذا يعني بأن ظاهرة الإرهاب العالمي المعاصر الذي تمثله جماعات الإسلام السياسي الراديكالية وعلى رأسها داعش، والقاعدة وفروعها العالمية محشورٌ بين آليات التفتيت والدمج الناتجة عن سيرورة العولمة المعاصرة.

العولمة وما أدراك ما العولمة

العولمة - بالنسبة إلي -؛ سيرورة من التحولات والتغيرات متفاوتة التسارع في حياة البشر والمجتمعات، وهي إحساس وشعور قبل أن تكون قياسا أو تجربة مخبرية، فلسنا بحاجة إلى ميزان حرارة لنشعر بالبرد أو الدفء والرطوبة، وهي شعور عام بفقدان الفضاءات الخاصة للبشر في مقابل انسياب، وسيولة مستمرة متفاوتة الزخم في عملياتٍ من التفتيت العنيف، والدمج لمختلف مستويات الفاعلين الاجتماعين.

ولقد ارتبط التسارع الهائل في سيرورة العولمة في المنظومة المعرفية الغربية والفضاء الغربّي بنهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وهدم جدار برلين تحديدا، وليس مصادفة أن تحمل كلمات مثل: ما بعد، نهاية، تفكك، وهدم وحداثة؛ آمال عريضة وأحلام بانبثاق فجرٍ جديد والوعود بالرخاء والسلام.

العولمة سيرورة من التحولات والتغيرات متفاوتة التسارع في حياة البشر والمجتمعات، وهي إحساس وشعور قبل أن تكون قياسا أو تجربة مخبرية

لكن هذه الوعود التي انتعشت بُعيد نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد (السوفيتي) والحرب في (البلقان) ومجازر التطهير العرقي في (البوسنة والهرسك)؛ ثم التدخل العسكري بقيادة (أمريكا) تحت ذريعة التدخل الإنساني إبان إدارة الرئيس الأسبق (الأمريكي)(بيل كلنتون) خلال الفترة بين عامي 1993 - 2001م التي شهدت أوج الاهتمام الأمريكي بالعولمة؛ كانت على موعدٍ مشؤوم وأول ضربة قاسمة تتلقاها سيرورة العولمة من الإرهاب العالمي مجسّدة بهجمات 11 أيلول 2001م الإرهابية، حيث يمكن القول بأن العالم بدأ بالانكماش والتقوقع على نفسه خوفاً ورعباً وتوجساً، وبدا العالم وهو على أبواب القرن الواحد والعشرين شاحباً كئيباً يعود القهقرى وكأنه قلعة معزولةٌ ومحصنةٌ من العصور الوسطى يغلق أبوابة قبل حلول الظلام ويرتاب من أي غريبٍ وأية حركة خارج أسوار القلعة.

الإرهاب الثمرة العفنة للعولمة

أثمرت سيرورة العولمة عديد الظواهر والاتجاهات، ولا زال منها الإيجابي، ومنها السلبي.

وأعتقد بأن أخطر/ أعنف ما أثمرته العولمة من الظواهر كان الإرهاب العالمي بأشكاله الإسلاموية المعاصرة، - وربما - كان هذا الإرهاب الأكثر استفادة من سيرورة العولمة.

فبعد عرس الدم والتوحش الذي امتد لعقدين من الزمن تقريبا (من عام 2001 - 2018 م) ماذا كانت النتيجة؟

أعلن تنظيم داعش 2014م الخلافة في العراق والشام، واستولى على مساحة من الأرض أكبر من مساحة (بريطانيا) العظمى. وأعلن الكثير من الساسة والخبراء والمحللين والدارسين لظاهرة الإرهاب بأن الحرب العالمية على الإرهاب فشلت بالقضاء على الإرهاب، وأن الجماعات الإرهابية سواء القاعدة أو داعش ربحت الحرب.

وإذا نظرنا (لبانوراما) خارطة العالم في عام 2018م وتوزيع الصراعات في العالم حسب التقرير السنوي الذي يصدره معهد (هيدلبيرغ) لدراسات الصراعات الدولية (The Heidelberg Institute for International Conflict Research)

فإننا نلاحظ بأن هناك اتجاهاً تصاعدياً بشكل عام لزيادة الصراعات في العالم منذ عام 1945م ومعظم دول العالم تعاني من الصراعات (الحرب، الحرب المحدودة، الأزمات العنيفة). فعلى سبيل المثال ارتفعت الصراعات العنيفة من (165) صراعاً عام 2012 إلى (222) صراعاً عنيفاً عام 2017م[2].

إضافة إلى ذلك، فقد ارتفع عدد الوفيات الناتجة عن الإرهاب العالمي عام 2017م، فوفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي الصادر عن "معهد الاقتصاد والسلام - سيدني قتل (25673) شخصاً في العالم؛ أي أكثر خمس مرات من عدد القتلى عام 2000م الذي بلغ (11133) قتيلا.

وقرابة (99%) من قتلى الإرهاب عام 2017م كانوا من خمس دول إسلامية، وهي على التوالي: العراق، أفغانستان، سوريا، نيجيريا، وباكستان[3].

ولقد كان من المدهش حقاً؛ أن هناك الكثير من المتابعين والخبراء والمحللين و(الأكاديميين) من شعر بالسعادة والفرح ونشوة الانتصار من منطلقات (أيديولوجية) ضيقة الأفق لهذه الخيبة الإنسانية وحلم ليلة الصيف الذي لم يكتمل بذريعة أن سيرورة العولمة نتاج (أيديولوجيا) الرأسمالية و(الليبرالية) المتوحشة أو (الأمركـــــــة)، تفتت البِنى الاجتماعية والسياسية أكثر مما تدمجها.

ولقد كان من الملاحظ أن الفورة في زيادة العمليات الإرهابية ترافقت مع بديات "الربيع العربي" بعد 2010م، ثم مع بداية الحرب الأهلية في سوريا عام 2011م.

وفي هذه الأجواء؛ ظهر زخم وفورة هائلة في تصريحات الساسة الغربيين (خاصة الفرنسين والبريطانيين والألمان) التي تحذر من خطورة الإرهاب وتزايد أعداد (الأوروبيين) الذين يلتحقون بالتنظيمات الإرهابية وبداعش تحديداً.

فقد حذر مدير الاستخبارات (الألمانية) (كريستوف غرام) في تصريحات لصحيفة (Welt, 9/3/2015) من خطر التحاق إسلاميين متطرفين بالجيش (الألماني) واستخدام معسكرات الجيش وإمكانياته المتطورة للتدريب، ثم شن هجمات على ألمانيا، ولذلك طلب المزيد من الصلاحيات للتدقيق والمتابعة والفحص للمتقدمين للخدمة في الجيش من المسلمين.

حذر مدير الاستخبارات الألمانية كريستوف غرام من خطر التحاق إسلاميين متطرفين بالجيش واستخدام معسكرات الجيش وإمكانياته المتطورة للتدريب، ثم شن هجمات على ألمانيا

وللأسف الشديد؛ ليس هناك كلمة واحدة منفردة الآن أكثر رعباً من الإسلام وليس هناك فرد مرعب ومخيف ومبعث على الشك والريبة أكثر من المسلم؛ خاصة في الغرب الذي جاءت استجابته الفورية المزيد من فوران الشعبّوية والإسلاموفوبيا والخوف من المهاجرين واللاجيئين.

وكمؤشر على عولمة التطرف الإسلامي والإرهاب، فقد كشف تقرير للأمم المتحدة (5 نيسان 2015) عن وصول عدد المقاتلين الأجانب الذين توجهوا للقتال مع تنظيمي داعش والقاعدة في سوريا والعراق ودول أخرى إلى (25) ألف مقاتل ينتمون إلى أكثر من مئة دولة، وقال التقرير الذي أعدته لجنة مجلس الأمن المكلفة بمتابعة العقوبات المفروضة على تنظيم القاعدة، أن عدد المقاتلين الأجانب شهد ارتفاعا بنسبة (71%) بين منتصف عام 2014 وآذار 2015، وأظهر التقرير أن حوالي (20) ألف مقاتل أجنبي ذهبوا إلى سوريا والعراق، انضم معظمهم إلى داعش، في حين انضم قسم منهم إلى جبهة النصرة، وحذر التقرير من خطر انتشار هؤلاء المقاتلين المدربين في أنحاء العالم في حال هزيمة تنظيم داعش

لكن هذا الرقم ارتفع في آخر إحصاء عام 2018 ليبلغ عدد المنتمن لتنظيم داعش في سوريا والعراق (41490) فرداً، يمثّلون (80) دولة في العالم، منهم (4761) من النساء؛ أي ما نسبته (13%)، و(4640) من الأطفال القاصرين بنسبة (12%)، وذلك وفق أحدث دراسة نشرها "المركز الدولي للدراسات الراديكالية"، التابع لكلية دراسات الحرب الملكية - لندن، بتاريخ 23 تموز (يوليو) 2018م، للدكتورة جوانا كوك، والباحثة جينا فيل، العاملتين في المركز.[4]

وأشار تقرير الأمم المتحدة إلى وصول عدد المقاتلين الأجانب في أفغانستان إلى حوالي (6500) ووجود المئات منهم في اليمن وليبيا وباكستان، وحوالي (100) مقاتل أجنبي في الصومال، بالإضافة إلى وجود عدد من المقاتلين الأجانب في شمال أفريقيا و(الفلبين)، ووفقا للتقرير، فإن معظم المقاتلين الأجانب الذين يتوجهون إلى سوريا والعراق يأتون من تونس والمغرب و(فرنسا) و(روسيا)، كما شهد عدد المقاتلين الأجانب القادمين من (المالديف) و(فنلندا) و(ترينداد وتوباغو) ازدياداً، وبدأت بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء في تصدير المقاتلين للمرة الأولى، وأعرب معدو التقرير عن اعتقادهم بأن أنجع طريقة لمكافحة تهديد المقاتلين الأجانب تكمن في منع تحول الأشخاص ذوي الميول العنيفة إلى التطرف، والحيلولة دون تواصلهم مع الشبكات الإرهابية، وحظر سفرهم إلى مناطق النزاع، ودعا التقرير الدول المعنية إلى زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية فيما بينها، مشيرا إلى أن (10%) فقط من المعلومات اللازمة لتحديد هوية المقاتلين الأجانب يتم تداولها دوليا[5].

في النهاية، أعتقد أن النظام أو "الأنظمة المتعددة" التي صنعتها أو ساعدت على صناعتها سيرورة العولمة - خاصة الآليات السياسية و(التكنولوجية) - هي التي سهّلت إنشاء الشروط الموضوعية لفوران مرجل التطرف الديني العنيف والغلو والكراهية والإرهاب العالمي المعاصر بهذا الشكل الواسع والعميق.

المراجع:

1- الشَرَفات، سعود (2018) صحيفة حفريات الالكترونية، ما مصير "أيتام الخلافة" بعد هزيمة تنظيم داعش في سوريا والعراق؟ على الرابط

https://www.hafryat.com/en/node/4807

2- الشَرَفات، سعود (2011) العولمة والارهاب: عالم مسطح أم وديان عميقة؟، ورد الأردنية للنشر والتوزيع، عمان الطبعة الأولى، ص 194-196.

3- Heidelberg Institute for International Conflict Research. https://en.wikipedia.org/wiki/Heidelberg_Institute_for_International_Conflict_Research-.

4- The Institute for Economics & Peace (IEP) - http://visionofhumanity.org/app/uploads/2017/11/Global-Terrorism-Index-2017.pdf

[1]- الشرَفات، سعود (2011) العولمة والارهاب: عالم مسطح أم وديان عميقة؟، ورد الأردنية للنشر والتوزيع، عمان الطبعة الأولى، ص 194-196

* يمكن العودة للكتاب أعلاه للمزيد من التفاصيل حول طبيعة العلائق الإحصائية والرياضية بين العولمة والإرهاب.

[2]- Heidelberg Institute for International Conflict Research https://en.wikipedia.org/wiki/Heidelberg_Institute_for_International_Conflict_Research-.

[3]- The Institute for Economics & Peace (IEP) - http://visionofhumanity.org/app/uploads/2017/11/Global-Terrorism-Index-2017.pdf.

[4]- الشرفات، سعود (2018)صحيفة حفريات الإلكترونية، ما مصير "أيتام الخلافة" بعد هزيمة تنظيم داعش في سوريا والعراق؟على الرابط

https://www.hafryat.com/en/node/4807

[5]- المرجع السابق.

 

mominoin

alquds

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.