quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Login
Login
Please wait, authorizing ...

0
0
0
s2sdefault

يا رُبَّ حيٍّ رخام القبر مسكنُهُ... ورُبَّ ميتٍ على أقدامه انتصبا

تبدو الكلمة ذات المضمون المتماسك كلمة سهلة تعرف كيف تشق طريقها نحو وعي المتلقي وعقله، فتستقر في وجدانه وتظهر على سلوكه ونمط استطراده الفكري، وأما الكلمات مفرغة المضمون، فهي أداة من أدوات مكر اللغة لتسطيح العقول في البديهيات والانخراط في لوكها دون طائل ولا جدوى.

ناصر السعيد، كان من ضحايا مكر اللغة، التي حجبت وعي الناس عنه، وأماتت ذكره بتسطيح التطرق له عبر سيرة حياته المكرورة، حتى تحول لمجرد ضريح، لا هو مع الأحياء ولا مع الأموات، ومن يصبح بين الأحياء والأموات، لا شك أنه يكون من المنسيين.

نستعرض هنا ناصر الفيلسوف والمفكر والملهم، مستعيرين بهذا طريقة ابن خلدون في التحول من عرض التاريخ السردي، إلى فلسفة التاريخ، لعلها تكون نقطة التحول لجذب المناضل ناصر السعيد إلى وعي الأحياء، كما كان في تلك الأيام التي أقض بها مضاجع الطغاة.

الإضاءات في أفكار ناصر السعيد

** بعد سقوط الدولة العثمانية، ظهرت في العالم العربي والإسلامي صيغتان سياسيتان لنماذج الحكم، الأولى صيغة أو أنموذج صاغه فلاديمير لينين، تماماً مثل حكم البعث في سوريا مثلاً، فالنظام في سوريا، قبل الأحداث الأخيرة على الأقل، كان لا يقر لشركات بطاقات الفيزا بأي عمولة تحصل عليها عند أي عملية مالية تتم عبر بطاقاتها عبر العالم، لأنه نظام يحكمه حزب واحد لا يعترف بالبنوك الغربية، ويستبدله بأفراد يعملون في محلات صغيرة لبيع البسكويت والعصائر، وفي الوقت نفسه يقدمون خدمات مصرفية أولية ويستبدلون عملات السياح بالعملة المحلية بالتعامل المباشر دون الحاجة إلى البنك.

أما الصيغة الثانية فهي النظام السياسي النفطي، أو النفطوقراطية، أو البتروقراطية، وهو الأنموذج المتبع في السعودية، يقوم هذا النظام على بنك الدولة المركزي، الذي يتربح من عمولات النفط، تعيش البلاد فيه تخلفاً في التنمية، ليس لأن الحكومة فاسدة، بل لأنها واقعية من منظور ليبرالي، حيث أن الاستثمار في نادٍ رياضي أجنبي شهير مربح أكثر من إنشاء وحدات سكنية للمواطنين.

هكذا فإن مدير البنك النفطي عكس نظيره في الغرب مجرد أداة في يد الدولة، يجب أن يلتزم بقوانين الضبط والربط تماماً كضباط الجيش، وفي حالة عدم التزامه فإن هذا يعني سجنه أو فصله أو إحالته للتقاعد.

خلف هذه الحقيقة، يتقاضى آل سعود عمولة عن كل عمولة من براميل النفط، تماماً كما كان يفعل الشاه في إيران، الذي كان يتقاضى عن براميل النفط عمولاته دون علم وزير الاقتصاد نفسه، وبتواطؤ من بنك إيران المركزي آنذاك، ولما قامت الثورة الإيرانية وطلب الثوار الإيرانيون من مقر البنك الدولي في أمريكا استرداد الأموال الإيرانية، طلبت منهم أمريكا الديموقراطية أن يثبتوا أولاً أن هذه الأموال ليست من عرق جبين الشاه بهلوي.

عبر هذا التفسير، يتضح لنا مضمون الدولة السعودية التي كان يناضل ضدها "ناصر السعيد" في إضراباته العمالية، فالإضراب العمالي في الغرب، ناجح في كل مكان، لأن الغرب ذو اقتصاد ليبرالي متنوع وسوق حرة تحتوي على عدة بورصات، منها ما هو للعملات والنفط والذهب والفضة وقصب السكر والكاكاو والخشب، وأن الاضراب في أي مورد من موارد هذه الصناعات يؤثر على دخل الدولة، أما في السعودية، فعلى العكس، فالإضراب خطأ مميت يؤدي بأصحابه للتهلكة، عدا في معامل النفط، لأن كل شيء فيها هو من أرباح النفط، وعليه فإن ناصر حينما كان يدعو للإضرابات العمالية في معامل أرامكو النفطية كان يضرب النخاع الشوكي للسعودية ويخلق عامل ردع لصالح الشعب في معادلة توازن القوى مع الحكومة، موفراً على الشعب التيهَ والبحث عن كلمة السر لفتح مغارة علي بابا.

** مع وصول محمد علي باشا إلى حكم مصر، أخذت طبقة طارئة تظهر للعلن، يستمد أفرادها وجودهم من العمل كوكلاء للشركات ورؤوس الأموال الغربية، ولما وصل محمد سعيد باشا إلى الحكم بعد ذلك، جعل الدولة المصرية بكافة أجهزتها تحت التقبيل للاستثمار والمقامرة، فبدأ ببيع ثروات مصر وأراضيها لصالح رؤوس الأموال الغربية عبر هذه الطبقة الجديدة الطارئة التي مارست سلوكاً إقطاعياً غير مألوف، ابتداءً بسرقة جهود العمال المصريين لصالح الشركات الأجنبية التي حفرت قناة السويس، وانتهاءً بإقحام أبناء مصر في معركة وراء "خليج المكسيك" الذي يبعد آلاف الكيلومترات، لصالح إرضاء نزوات فرنسا اللصوصية في نهب كنوز مستعمرات العالم الجديد.

هكذا وجد الشعب المصري نفسه مرغماً على عيش أسوأ تجارب التخلف في العالم رغم رصيده الحضاري والعلمي، لصالح طبقة طارئة ترتزق من السمسرة لصالح رؤوس الأموال الأجنبية تسمي نفسها "الباشوات"، ولما تولى إسماعيل بن إبراهيم باشا، وحاول مجرد تقنين امتيازات تلك الطبقة الطارئة بإتاحته لعموم الشعب الدخول إلى مجالس النواب، قامت كل من فرنسا وإنجلترا بمواجهة نزعاته تلك، بالضغط على الدولة العثمانية لعزله، وهو ما تم فعلاً.

بعد ذلك راحت مصر تغوص في فخ الشركات الأجنبية ونهب ثرواتها القومية والوطنية وجهود أبنائها وقدراتهم البشرية، وتم إنشاء بنك مصر لصالح مثل هذه الأغراض بالذات، فوقعت مصر في شباك الإمبريالية العالمية بمباركة "المرتزقة" من وكلاء تلك الشركات، وتأسست أول ثقافة إقطاعية أو كومبرادورية- كما يسميها ماركس- في العالم العربي والإسلامي، تقوم على تأمين وعقلنة مصالح الأغنياء في أوروبا.

إن رؤوس الأموال السعودية التي ناضل ضدها ناصر السعيد وأورد قصصهم في بعض كتاباته هم من هذا النوع الذي عاش في مصر تلك الأيام، وربما أن استقراء مثل هذه الظروف يبدو الآن سابقاً لأوانه، ولكن الظروف التي كانت تحيط بناصر تقول إن الشعب السعودي آنذاك كان يعيش الحفاء والفقر المدقع على حساب رفاهية الأجانب الذين قدموا للعمل في أرامكو سماسرتهم من التجار، ورغم أن النضال العمالي لناصر تتوج لصالح الشعب لكن يبدو أنه بدأ يفقد بريقه لطول الزمن عن ناصر، في هذه الأيام بالذات.

** الكومبرادور هو مصطلح صاغه كارل ماركس، للدلالة على طبقة من أبناء البلاد تتحالف مع الأجانب لنهب ثروات الوطن، وحتى نعطي للكلمة دلالتها من واقع تراثنا، فإن هذا المصطلح تعني دلالته بالعربية "النخاس"، وهو رجل يجني المال والأرباح على حساب شرف أبناء وبنات وطنه، اشتهر في تاريخنا العربي بالارتزاق على بلاط الأغنياء.

** كتب تروتسكي في كتابه المغمور "النقابات في عصر الانحطاط الإمبريالي" ، فصلاً أسماه "البلدان المتخلفة" من ضمنها البلدان النصف مستعمرة، وهي بلاد واجهتها حكومة وطنية لكنها تخضع لقوة أجنبية.

في استطرادات تروتسكي الجدلية هنا، قال بأن الواقع سيدفع بالأهالي المحليين أن يصبحوا مناضلين، بسبب ثلاثة ظروف بالذات، أولها غياب طبقة وطنية صناعية تعفي هؤلاء السكان من الحاجة للتقنية الأجنبية، وثاني هذه الظروف أو الأسباب قوة المال الأجنبي وضغوطاته من أجل مصالحه، والسبب الثالث والأخير هو عدم وجود تقاليد ديموقراطية في الحكومة المحلية.

في أيام النضال العمالي اجتمعت هذه الظروف الثلاثة، فأرامكو كانت مليئة بالخبرات الأجنبية التي تشح على السعوديين بالتعليم وإكسابهم تقنيات استخراج النفط، وبالتالي لم يكن من الممكن نشوء طبقة وطنية تعفي البلاد من الحاجة لمتغطرسي "اليانكي"، إضافة إلى أن أرامكو كانت تسير بتحقيق النفع لصالح أمريكا على حساب كل شيء آخر، تحت إشراف وزارة النفط السعودية التي تعمل على تأمين هذا الغرض بالذات، أما الظرف الثالث فقد كان آل سعود خالين من الأعراف الديموقراطية منذ عهد محمد بن عبدالوهاب، وإن أرقى حدث ديموقراطي تم في عهودهم المتتالية هو قتل تركي بن عبدالله عبر فرد حمزة!

كانت هذه الظروف الثلاثة، التي تنبأ بها تروتسكي، عرضة للتحقق والتمازج في الواقع السعودي أيام ناصر السعيد، لهذا فالقول بأن ناصر كان يناضل لمجرد نيل العمال لحقوقهم هو قول ناقص الغرض، وأن هتافاته تلك كانت تنم عن رؤية أبعد مما قدموها لنا، إذا اخذنا تنبؤات تروتسكي في عين الاعتبار.

** رغم الظاهر القومي أو اليساري لناصر السعيد، إلا أن تصنيفه هنا لم يكن تصنيفاً دقيقاً لخط مسيرته النضالية.

فالسعيد كان عبر كتاباته يناقش الأفكار الدينية التي تؤلّه السلاطين، وبذلك كان يحقق شروط المعارض ذات الطابع الإسلامي في كتاباته، ورغم أن هذا يقول إن ناصر كان يريد القول بأن آل سعود يستغلون الدين، إلا أن المدى البعيد لهذه الفكرة يقول إن المجتمع نتيجة هذا الاستبداد الديني المزعوم قد حوصر داخل نطاق صلب أفقده المرونة لمواكبة عصره، وإنه بمثابة التهديد للخروج من عربة التاريخ، وإن الوقت لا يسمح بهدره لأن المستقبل يقول إن إغلاق الفجوة بين المجتمع السعودي والحضارة العالمية يتطلب الدخول إلى جحر الضب خلف الأمريكان، والرضوخ لصالح تلك الهيمنة بمختلف أنواعها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الأخلاقية، وهو ما يحدث اليوم بالضبط، إذ أن القرارات التحديثية المزعومة تصدر من خلال السفارة الأمريكية في الرياض.

وإزاء هذا الواقع المؤلم، أستذكر مقولة كتبها عبدالرحمن منيف في رائعته "مدن الملح" على لسان أحد شخصياته يقول فيها: "قولوا اللي تقولون، لكن أخاف اننا ضيعنا الدنيا والدين، لا حنا مع الأمريكان باللحم ولا مع غيرهم بالمرق!".

** في خطاب ناصر حول البيعة للملك سعود، قدم ناصر لأول وربما لآخر مرة في تاريخ السعودية، مراسم البيعة الملكية السعودية بطريقة تتبنى التقاليد الديموقراطية والدستورية.

فالبيعة التي صاغها ناصر في خطابه ذاك، كانت بيعة "مشروطة"، عقد ومتعاقدين، معاهدة والتزام، مما هز فكرة الملكية المطلقة أثناء البيعة.

يقول ناصر في آخر خطابه "وعلى مثل هذه المثل المشروعة في الشريعة العادلة ووثيقة حقوق الإنسان يمنح الشعب ثقة الشعب، لا يبيعها للحاكم الذي يحافظ عليها ولا يبيعها هو أيضاً".

يتضح من خلال هذه الأسطر أعمدة نظام الحكم الذي اشترطه ناصر وهو إشراك الشعب في إدارة البلاد وشؤونها بنفسه، وبالتالي فإن ناصر لم يكتفِ بمجرد المطالبة بالمطالب الشعبية، بل ألغى السلوك المتبع الذي تتضمنه البيعات في السعودية من التسليم التام بلا قيد ولا شرط، وقام متعمداً بكسر الإيحاءات العبودية في البيعة وتقديمها على شكل ثقة مشروطة قابلة للنزع في حال عدم التزام الملك بالبنود التي تضمن حرية الشعب وحقوقه.

ظاهرياً هذا الإجراء كافٍ لوصف مدى شجاعة ناصر السعيد، ولكنه من جهة أخرى إجراء تصحيحي لمسار الحكم الوراثي منذ عصور الأمويين، عزز ناصر فكرته باجتهادات الدينية نظرت لإسلام سياسي يعتمد على الشورى الإسلامية التي قدم إفراغاتها العملية في عدد من رسائله، على حساب إلغاء الملكية المطلقة.

** الملكية المطلقة فلسفة تقوم على الفرد الواحد وهو الملك، وهي فكرة تشبه لعبة الشطرنج التي يضحي فيها الملك بكل القطع الأخرى من ضمنهم الوزير إذا شعر بالتهديد "كش ملك".

فالملك كونه الحاكم المطلق الأوحد لا يستطيع أن يكون عادلاً مهما كان مغرماً بالعدالة ونهجها، لسببين كامنين في طبيعته.

السبب الأول أن مفهوم الملك الأوحد للعدل مرتبط بعمره، فإن كان شاباً فهو يخطط لتغيير الدنيا لأنه لم يتعرف عليها بعد، وإن كان مسناً يريد الأمور أن تبقى كما هي لأنه لا يعرف دنيا سواها، ورغم منطقية كليهما اتجاه نفسيهما، فإن كلاهما على خطأ صريح ومستمر ومكلف اتجاه بقية أفراد الشعب الذي يضم أعماراً مختلفة، منهم الجنين والرضيع والصبي والصبية والمراهق والمراهقة، وهم مواطنون يواجهون مشاكل خاصة بهم لا يوجد من يمثل وجهة نظرهم أمام الملك أو ينوب تحت حق الدستور عن هؤلاء كلهم.

جرّاء هذا السبب، يتم إنشاء المزيد من السجون على حساب تعليم الأطفال، وبناء القصور الفارهة على حساب تزويج المراهقين، وسرقة أموال الميزانية تحت حجة صفقات السلاح على حساب حرمان الرضيع من حليب أمه العاملة، فيخسر هؤلاء حقوقهم كل يوم وكل ساعة لمجرد أنهم لم يتعلموا الكلام.

السبب الثاني في بطلان الملك المطلق، أن مفهوم الملك الواحد للعدل مقيد بجنسه أيضاً، فالرجل لا يحفظ حق المرأة لأنه لا يعي ظروفها، ولا يستوعب أن ضمن مواطنيه مواطناً اسمه المرأة الحامل يمكن أن تفقد حياتها نتيجة خطأ بسيط في أحد مستشفيات الولادة.

الملك الأوحد يسمى طاغية ليس لأنه مغرم بالطغيان، بل لأن النظام السياسي يمكّنه من أن يرفع صوته فوق صوت الأغلبية في كل لحظة مهما كانت نيته حسنة، سواءً كان يعلم ما تفعله بطانته أو يجهل ما تفعله بطانته، لأنه مقيد بوجهة نظر واحدة وحل واحد بموجب عمره وجنسه، وهو موقع يمكنه أن ينشئ إمبراطوريات شاسعة مثلما فعل جنكيز خان، ويمكنه أن يتسبب في انهيار إمبراطوريات استمرت لقرون مثلما فعل أبو عبدالله الأصغر!

تحت هذه البنود كان يدرك ناصر ما معنى بيعة غير مشروطة لملك مثل سعود وغيره من آل سعود، ويعي تكاليفها، وأن تبنّيه لذلك الخطاب لم يكن مجرد حماس عادي قادته عواطفه الإنسانية.

** حقوق الشيعة في خطاب ناصر السعيد، كان نابعاً من البيئة التي قَدِم منها.

فناصر كان قادماً من حائل، الأمر الذي أكسبه عن بقية المعارضين السعوديين طابعاً مختلفاً، فالملاحظ أن جُل المعارضات السعودية هي معارضات لا تكاد تخرج من نجد.

تاريخياً كانت حائل مركزاً من أهم المراكز لنصرة علي بن أبي طالب في حروبه، يقودها رجال من طراز الوليد بن جابر الطائي وعدي بن حاتم الطائي وأبنائه الطرفات الثلاث.

ظل هذا التاريخ متوهجاً طوال تراكمات الزمن في حائل، حتى إن الرفض الحائلي للفكرة الوهابية له كان نتاجاً لوعيهم الديني الرافض لتدمير الوهابية لبقية الفرق الأخرى، كما يقول أحد شعراء حائل عن الوهابية: "يا مذهب طوح وراء الأربعة غاد - أفنى عباد الله على غير قادي"، إضافة إلى ذلك يذكر بلجريف عن الأمير الثاني من أسرة آل رشيد، طلال بن عبدالله ، أنه استقطب إلى حائل كفاءات عاملة من مشهد في العراق وأسمى حياً في حائل باسم حي المشاهدة، وهي واقع يمكنه أن يلقي بظلاله في كل الاتجاهات للمحسن والمسيء، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر أنه يمنح النضج وسعة الأفق.

كل هذه العناصر التي تربى عليها ناصر ساعدته في تأسيس برنامجه الوطني، والتطرق لقضايا مختلف فئات المجتمع، والآن نتيجة مخالفة هذه النظرة فإننا نرى كفاءات البلاد وقد زج بها في السجون رغم اختلاف مذاهبهم وانتماءاتهم نتيجة عجزهم وافتقادهم لمشروع شامل مثل مشروع ناصر السعيد.

** حضور فلسطين في خطاب ناصر السعيد كان امتداداً للثقافة الحائلية التي لطالما استحضرت فلسطين في أواخر أيام إمارة آل رشيد بالذات، وهي فكرة يطول شرحها هنا.

ولعل من الدلائل العاضدة لهذا القول هو فهد المارك الذي كان يمثل هذا الجانب من جوانب الفكرة الحائلية عن الاعتقاد بالحق الفلسطيني، ومما لا يعرفه الكثير أن الحائليين كانوا في قولهم وسلوكهم يمقتون اليهود، حيث يذكر الرحالة الإيطالي كارلو جوارماني في كتابه رحلة إلى نجد الشمالي، أن أهالي حائل في زمن بدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين قبضوا على يهودي ادعى أنه مسلم فصلبوه على بوابة حائل، وهو أمر معاكس تماماً لما حصل مع المدون اليهودي "بن تيسون" في زيارته التي دنس بها المدينة المنورة والحرم المدني تحت تسهيلات الحكومة السعودية.

وأخيراً أنتجت هوليوود فيلماً يحكي قصة هروب ناصر السعيد من السعودية أسمته "الهروب من الظهران"، "Escape from zehrain".

لكن رغم هذا كله، فإنه لم يكن كافياً لدحض الحقيقة المُرة والمؤلمة التي جابه تصلبها ناصر السعيد، فطوي الوعي الذي كافح من خلاله لتحرير أذهان الناس وصار يعاني في قبره من تصويره مجرد مناضل عمالي يتم استذكاره بعناوين رئيسية لا تضيف للمتلقي شيئاً ذا بال، لكننا هنا آثرنا أن نغوص نحو بعض الوعي الكامن في أفكار ناصر السعيد، لنكتشف النفائس في أحرف ناصر السعيد التي نحتها، وما عليه إذا لم تفهم البشر مع تلطيف العبارة.

Canon m50

alquds

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.