quds

القُدسُ .. من للقُدسِ إلا أَنْتْ

Create Account
Login
Login
Please wait, authorizing ...

تيارات الفكر الفلسفي .. من القرون الوسطى حتى العصر الحديث - أندريه كريسون

78 التحميلات

تيارات الفكر الفلسفي .. من القرون الوسطى حتى العصر الحديث - أندريه كريسون

صدر كتاب تيارات الفكر الفلسفي، من القرون الوسطى حتى القرن الحديث (عن دار عويدات، بيروت).

الكتاب ضخم (430 صفحة من الحجم الكبير)، لأندريه كريسون، ترجمة نهاد رضا، التي عرفت كيف تقدم ترجمة دقيقة، تجاري الكتاب ببساطته وعمقه، محافظة على اختيار المصطلحات من دون إبهام من أربعة أقسام من عناوينها المتعاقبة والمقسمة تقسيماً واضحاً: تيارات الفكر الفلسفي حتى نهاية القرن السابع عشر، حيث تمّ التركيز على الفيلسوف الفرنسي ديكارت، والفكر الفرنسي في القرن السابع عشر بعد ديكارت.

أما القسم الثاني فبعنوان تيارات الفكر الفلسفي في القرن الثامن عشر ومن فصوله انهيار الفلسفة الدينية في القرن الثامن عشر، وانهيار فلسفة ديكارت، إلى فلسفة الطبيعة... وفي العناوين الأساسية مشكلة الفلسفة الأخلاقية في القرن الثامن عشر، يليه مشكلات الفلسفة السياسية في القرن الثامن عشر.

القسم الثالث بعنوان كبير تيارات العصر الفرنسي من مطلع القرن التاسع عشر حتى العصر الحديث ومن فصوله اقتراحات المدرسة الانتقائية، يليه اقتراحات المدرسة الوضائية ورائدها أوغست كونت، حيث توقف عند اتجاه كونت الاجتماعي، ونظرياته الأساسية، وتفصيل المذهب.

أما القسم الرابع والأخير: تيارات الفكر الفلسفي بعد أوغست كونت، فمن فصوله من الوصفانية إلى العلماوية، ولحركات المناهضة للعلماوية.

هنا مقدمة الكتاب.
*****************************************************

لقد تقلب الفكر البشري دائماً بين قطبين: القطب العقلي، والقطب الأخلاقي.

إن فكرنا متعطش إلى الوحدة. وهو، بشكل غريزي، وفي كل مكان، وعلى الدوام، يتوخى الواحد وراء المتعدد، والمؤتلف وراء المختلف، والدائم وراء الزائل. إنه يحلل ما يعرض له من أشياء وأحداث: لأنه يتقصى العناصر المكونة لها، وطريقة اجتماع هذه العناصر في الوقت نفسه. ويُجري المقارنات: لأنه يتلمس النماذج الدائمة وراء الأشياء، والنواميس وراء الأحداث. وكيما يربط بعضها ببعض، يبني مذاهب فكرية واسعة حول المادة، والقوى المؤثر فيها، وأصل الموجودات الأولى ومصيرها النهائي. ويسعى إلى إدخال كل ظاهرة جديدة ضمن ما صنع من أطر ذهنية. فإذا لم ينجح، فإنه يُبدل هذه الأطر نفسها، ويُقوّم مبادئه، ويبتدع غيرها، ويصنع لنفسه عند اللزوم عقلاً جديداً.

ولكن لا ينحصر همنا في ذلك فقط. إننا نعيش في مجتمعات، إلا أن الجماعة البشرية لا يسعها البقاء إلا ضمن بعض الشروط. ولا يسعها الازدهار إذا لم يتقيد الأفراد بهذه الشروط تقيداً دقيقاً. فكيف تدوم الجماعة إذا لم يكن أفرادها مستعدين لاحترام بعضهم بعضاً، وللتعاضد على الأقل حتى حدّ معيّن؟ فالأفراد الذين يتناحرون ويتشاتمون ويتخاتلون في استمرار، لا يشكلون رهطاً اجتماعياً ثابتاً. إذ لا بد لهم، في سبيل تشكيله، أن يكفوا عن إرضاء بعض أهوائهم، وأن يضعوا لأنفسهم حداً، وأن يكرموا أنفسهم على التقيد بنظام انضباطي. كل مجتمع إذن من مصلحته أن يُقنع أفراده، منذ الطفولة، بأن عليهم واجبات احترام وتعاون مطلقة إزاء الآخرين، وأن هؤلاء الآخرين لهم حقوق مقابلة. فمن يمتثل لواجباته يكن من أهل الجدارة، ومَن لم يمتثل فليس من أهلها. ويؤدي ذلك إلى الثواب أو العقاب. فلا وجود لمجتمع راسخ، بل لا وجود لمجتمع قابل للحياة، إذا لم يكن معظم أفراده متعلقين بالواجب. فبغير هذا التعلق، يتصدع المجتمع وينحل. لذلك يبذل كل مجتمع جهده لصيانته وتنميته.

إن وجود هذين الاستعدادين لدى الانسان ولّد في الفلسفة ظاهرة ملحوظة جداً. فبعض الآراء الفلسفية النظرية تشكّل ولا شك خطراً على معتقدات الأفراد الأخلاقية. وبعضها الآخر يلائم نموها خير ملائمة، إن عدة مذاهب نظرية تُنكر وجود حرية الاصطفاء البشري. وبذلك، تُعرّض للخطر كلاً من الفكرة الكلاسيكية الخاصة بالمسؤولية، والأمل والخوف الدينيين. في الثواب والعقاب الأبديين. ويصبح الشعور بالواجب بالنسبة إليها مجرد نتاج التربية الاجتماعية. وبهذه الصورة تُقوَّض المعتقدات الأخلاقية التي يستفيد منها المجتمع. وبالعكس، ينشر بعضها الآخر الإيمان بالحرية الإنسانية، وبوجود إله يثيب ويعاقب، وبخلود النفس، وبالطابع المقدس الذي يتصف به الواجب. لذلك، هي أحسن تكيّفاً مع الحاجات الاجتماعية. من هنا نشأت ظاهرة ملحوظة لدى كثير من الفلاسفة، وفي تتابع الفلسفات نفسها. فما أن يشعر بعض المفكرين بأن آراءهم النظرية تعرض معتقداتهم الأخلاقية للخطر، حتى يحسوا بالحاجة الشديدة إلى رفع سمومها؛ فبعضهم يتخلى عنها، وبعضهم الآخر يتجنبها لدى الانتقال من المبادئ إلى النتائج، ويضع على عينه عصابة كي لا يرى فعلته. ولكن الظاهرة تكون أكثر بروزاً حينما تصبح بعض الأفكار المتفشية لدى الجماهير خطرة على المعتقدات الأخلاقية الواقية للمجتمع. إن الحرص على انقاذ المعتقدات النافعة للحياة ينعكس حينئذ على المبادئ النظرية وعلى تقدير القيمة المنطقة للمحاكمات، لا عند فيلسوف فحسب بل عند مدارس بأسرها. وما أن تهز بعض الأحداث السياسية أركان المجتمع، حتى يصبح هذا الاستعداد محموماً. فنراه يتحكم بتفكير عصر بأكمله.

نسأل الصفح والغفران لتذكيرها بهذه الحقائق الأساسية. لئن قمنا بذلك، فلأن دراسة التيارات التي عملت في الفلسفة الفرنسية، منذ نشأتها، تبرز هذه الحقائق بشكل واضح.

من لا يعرف أسطورة الساحة التلميذ؟ كان ساحر عجوز يملك مكنسة سحرية، وعندما كان يتفوه بكلمة معينة، كانت المكنسة تتنبه وتلبي أوامر سيدها. وكان الساحر، بالإضافة إلى ذلك، يدرب تلميذاً فكان يوصيه بتنظيف البيت ثم ينصرف. وذات يوم وقع التلميذ على الكلمة التي تجعل الحياة تدب في المكنسة السحرية، فتفوّه بها: وها هي ذي المكنسة طوع أمره. فطلب إليها أن تجلب ماء وترشه على أرض الدار، فجلبت المكنسة دلواً، دلوَين، ثلاثة. ولم تكن هناك حاجة إلى أكثر من هذه الكمية. إلا أن المكنسة لا تتوقف إلا إذا سمعت كلمة معينة تعيدها إلى حالة النوم. ولم يكن التلميذ يعرف هذه الكلمة. وتتالت الدلاء بعد الدلاء. وامتلأت الدار بالماء. وتصاعد الطوفان. وشرع التلميذ بالشكوى، وحاول كل شيء ولكن بلا جدوى.

الحقيقة أن هذه الأسطورة رمز عجيب لما جرى في الفكر الفرنسي منذ القرن السادس عشر حتى الوقت المعاصر. فخلال القرون الوسطى، بقيت المكنسة السحرية القادرة على القيام بأفعال مدهشة، في حالة النوم. هذه المكنسة هي الفكر الانتقادي الحر. وبما أنها كانت نائمة، لذلك شيدت المخيلة الإنسانية صرحاً فكرياً رائعاً. وكانت النفوس تركن إليه معتقدة أنها ترى فيه الضياء والهدى. لقد كانت تتنعم في كنفه بالسلم على الأقل. وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر، اكتشف بعضهم الكلمة السحرية فاستيقظ الفكر الفاحص الحر.

أدرك الفكر المتنبه منذ البدء أن المعتقدات التقليدية لم تكن ذات قيمة، ولكنه آنس في نفسه بعض المهابة. وفي عصر النهضة شجب المفكرون الفلسفة المدرسانية. ولكنهم بقوا أمينين، في سوداهم الأعظم، للصور الكلاسيكية القديمة وللأخلاق التقليدية.

بعدئذ جاء ديكارت واتخذ موقفاً حاسماً في نقطة معينة: يجب إصلاح الفلسفة المدرسانية فيما يتعلق بالطبيعة. ولكنه أرسى أسس مذهب روحي اعتقد أنه قابل للتوفيق مع الفلسفة المسيحية. ولئن استشعر باسكال الخوف من جرأة ديكارت بحيث طالب الفكر الانتقادي بالاستسلام أمام المعتقدات التقليدية، فإن معظم خلفاء ديكارت الفرنسيين اعتقدوا أن التوفيق بين فيزياء ديكارت والمعتقدات المسيحية شيء ممكن.

إلا أن محاولاتهم لم تلق إلا نجاحاً عابراً. وبمجيء بايل منذ نهاية القرن السابع عشر، ومع القرن الثامن عشر بمجموعه، ازدادت جرأة الفكر الفاحص الحر في استمرار. ومرت بغرباله كل الفلسفات: الفلسفة الدينية، فلسفة العلوم، فلسفة الطبيعة، فلسفة الفكر، فلسفة الأخلاق، فلسفة السياسة.

وفي جميع النقاط، خلص إلى نفس النتيجة: إن المعتقدات التقليدية باطلة، وديكارت وتلامذته غير كافين، وما سُمي بالعقل لم يكن العقل. فهوى إلى الأرض هذا الصرح الفكري القديم. ولكن أي صرح سينوب منابه؟ خلال مناقشة الموضوع، حصلت أحداث اقتصادية سياسية اجتماعية. فقد انفجرت الثورة الفرنسية حاملة معها خضاتها وآمالها، أخطاءها وآثامها. ثم جاء نابليون أخيراً فعلاً نجمه ثم هوى.

لقد غمر الفكر الحر الدار كلها.

ولكن يجب إعادة هذا البيت صالحاً للسكن ثانية. ويجب أن نرد إليه تماسكه ونعيد إليه طمأنينته وبهاءه، وأن نجد لساكنيه دعامة أخلاقية وسياسية، ومبررات للحياة. وقد تحول هذا الهم إلى فكرة ثابتة لدى المفكرين في مطلع القرن التاسع عشر. يجب إيقاف المكنسة السحرية، أو على الأقل يجب تنظيم مجهودها وتنسيق مفعولها. ومن 1815 إلى 1860، وجهت هذه الفكرة أعداء الكنيسة الفرنسية المناصرين لروما Les Ultramontains، والفلاسفة الروحانيين والوضعانيين، توجيهاً صريحاً أو مبطناً. فاقترح الأولون على الفرنسيين، دونما تحفظ، أن يتخلوا عن البحث الحر وأن يلعنوا ديكارت، وأن يعيدوا الصلة بالمعتقدات التقليدية الدينية والسياسية وكأن الثورة لم تكن، وأن يعودوا إلى الإيمان بما آمن به الجدود والعمل بما عملوا به؛ أما الروحانيون فكانوا أقل رجعية. إن القرن الثامن عشر لم يهدم كل شيء بنقده. فثمة حقائق باقية إذ لا يمكن أن يحل بها الفناء. إنها مبادئ خالدة في ميادين العلم والفن والأخلاق. وقد دقت ساعة انتشالها وإعادة البناء على ضوئها. وأما الوضعانيون فحبذوا طرقاً أخرى في العمل. ثمة شيء كُتب له أن يولد ويمكننا أن نركن إليه: إنه العلم الوضعي، بأسئلته الدقيقة، وطرائقه ونتائجه. هو الذي يجب أن نلجأ إليه، هو الذي، في تشكيله علم الاجتماع سيجعلنا قادرين على العناية بالمجتمع المريض عناية علمية مجدية. ولا خلاص إلا بواسطته.

إن أمثال هذه الحلول متباينة حقاً. ولكنها متشابهة في ناحية. فالثلاثة لها نفس الشاغل. الثلاثة تريد، مهما كلف الأمر، إنهاء المرحلة الثورية. وهي، على اختلاف وسائلها، كانت متفقة على هذه الفكرة الأساسية: لا يمكن قبول فلسفة نظرية إلا إذا كانت كفيلة بإعادة التوازن الأخلاقي عند الأفراد، وفي المجتمع.

كل من يميز هذه الحركة وأسبابها، يصبح أحسن فهماً للتيارات المحركة للفكر المعاصر. إن أحدث الفلاسفة الفرنسيين، وحتى أكثرهم أصالة، لم يفعلوا سوى شيء واحد: لقد اتبعوا، على طريقتهم الخاصة، السبيل التي سلكها سلفهم. وإن مفكرين كثيرين يعتبرون كمتممين للحركة الوضعانية، بنسب متفاوتة في عدم الأمانة، وذلك نظراً إلى ما يعلقون من أهمية على العلوم. الوضعية وطرائقها ونتائجها وتطبيقاتها الأخلاقية والسياسية الممكنة. أما الآخرون فلا يبحثون إلا عن وسيلة بارعة للتخلص من وحي العلوم التقيّدي، لأنهم يعتبرونه منافياً للحاجات الأخلاقية الخاصة، بالنفس البشرية. إنهم يبنون بقية مذهبهم، مدفوعين بحرص شديد، ساخر أو خفي، على الأخلاق والسياسة. وإن الفلاسفة الروحانيين والمثاليين، والذرائعيين الانتقاديين الجدد، والذرائعيين التقليديين، والذرائعيين البرغسونيين، هم بهذا الخصوص من نفس المدرسة. إنهم مستعدون للتسليم بكل شيء ليصونوا ولو مجرد إسم هذه الحرية الإنسانية، هذه الحرية التي هي شرط هذا الواجب وهذه المسؤولية وهذا الاهتمام الديني، وهي أمور بدونها يتعرض المجتمع للانهيار، فيما يعتقدون.

من المهم جداً أن يُكتب تاريخ المفكر الفرنسي بتمامه. ولكن هذا المشروع يحتاج إلى كثير من المجلدات الثقيلة. ولربما احتوت هذه المجلدات على المعلومات أكثر من الأضواء الكاشفة. لذلك صممنا كتابنا بطريقة مختلفة تمام الاختلاف.

لقد جرى الفكر الفرنسي جريان السيل الشديد. ولكنه صادف في طريقه صخوراً وجزيرات وأغواراً. وعن ذلك نشأت منعطفاته وانقساماته ودواماته. إنها التيارات التي حصلت كما بيّنا: فتحدد بعضها بصدور مؤلفات كمؤلفات ديكارت، وتجلى بعضها بوضوح وكمال وروعة في كتب أمثال خواطر لباسكال وأحاديث في الماورائيات لمالبرانش، ونظام الطبيعة لدولباخ. ومن هذين النوعين من المؤلفات، سنستقي وثائقنا وسنستمد حججنا.

علينا إذن أن لا ننشد في هذا الكتاب ما لا يوجد فيه: رواية متبحرة وكاملة، ملتفتة إلى صغار المؤلفين وكبارهم، ومنصرفة إلى تدوين الأشكال العديدة التي ظهرت فيها الفكرة الواحدة في وقت معين. لعل المرء سيجد كفايته بأن يرى فيه ما أردنا أن نضع فيه: رسم الحركة التي تطور بموجبها فكر قوي خلال أربعة قرون، وخلاصة لأهم ما في المؤلفات الأنموذجية المميزة للمنعطفات الفكرية الأساسية.

سنقسم كتابنا إلى ثلاثة أقسام:

إن دراسة تيارات الفكر الفرنسي في القرنين السادس عشر والسابع عشر ستجعلنا نطل على يقظة فكر ناقد ما زال مقيداً بمخاوف عديدة.

وإن دراسة تيارات الفكر فرنسي في القرن الثامن عشر ستُظهر لنا نفس الفكر الناقد تملأ بخمرة جرأته الخاصة، لدرجة دفعته إلى ضرب كل تقاليد الماضي وتهديمها باسم العقل.

وإن دراسة تيار الفكر الفرنسي في القرن التاسع عشر سترينا إياه فزعاً من تدميراته، وستُظهره لنا - مع تخلية أقل ما يمكن عن مكاسب العلم الحديث - مندفعاً إلى تجميل الأحكام الاعتبارية العملية التي يحتاج إليها المجتمع لإدامة حياته والحفاظ على توازنه.

بول شاوول

اسم الملف: تيارات الفكر الفلسفي .. من القرون الوسطى حتى العصر الحديث - أندريه كريسون.pdf
حجم الملف: 8.04 MB
عدد الزيارات: 75 عدد الزيارات
التحميل: 78 مرة / مرات

Canon m50

alquds

إذا كان كتابك قد نشر بدون موافقتك أو موافقة دار النشر، يرجى مراسلتنا على البريد sooqukaz@gmail.com وسنقوم بحذف الرابط فوراً.